قناة بنما.. إنجازات كبيرة فى دولة صغيرة

قناة بنما.. إنجازات كبيرة فى دولة صغيرة
قناة بنما ليست مجرد ممر مائى يسمح بعبور السفن من نقطة جغرافية إلى أخرى، بل هى مركز صناعى وخدمى متكامل، مما يستدعى إلقاء نظرة بعين فاحصة على تلك التجربة قبل البدء فى مشروع محور قناة السويس الاقتصادى الذى طُرح على مائدة حكومة د. عصام شرف، وفى برامج بعض مرشحى الرئاسة.
قناة بنما هى ممر مائى يربط بين المحيطين الأطلسى والهادى، وتعتبر من أهم معالم جمهورية بنما، إحدى دول أمريكا الوسطى، وتقع على جزء من اليابسة الذى يربط بين أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية. وتعتبر القناة من أعظم الإنشاءات الهندسية فى العالم، لأنها ترتفع عن مستوى البحر بحوالى 26 مترا، مما يستلزم رفع السفن لتدخل القناة من أحد طرفيها ثم إنزالها مرة أخرى عند الطرف الآخر.
ويبلغ طول القناة 80 كيلومتراً، ويقدر عرضها بـ70 متراً وعمقها بـ20 متراً، وتمر فيها حوالى 14 ألف سفينة سنوياً. ووفقاً لإحصائيات هيئة قناة بنما، فإن أنشطة النقل التجارى فى القناة تمثل حوالى 5% من التجارة العالمية.
وتقدم إدارة القناة، إلى جانب خدمة المرور الملاحى الأساسية، 10 خدمات بحرية وتجارية وتعليمية وسياحية، سنذكر أهمها فى السطور التالية كنمط تستفيد به الدولة من ريع القناة، فضلاً عن مصادر أخرى. فيما يتعلق بالخدمات البحرية، يتم تزويد السفن بالوقود، وفحص وإصلاح وصيانة السفن، وكذلك التزود بخدمات أخرى مثل التوصيل بنظام إطفاء الحرائق، والكهرباء والإضاءة المؤقتة، والتخلص من القمامة، وتوفير مياه للشرب، وتبريد المياه، والتزويد بهواء مضغوط، وتنقية الهواء داخل السفن.
وتُنتج إدارة القناة الطاقة الكهربية اللازمة لأعمال تشغيل المجرى الملاحى من خلال مولدات ضخمة وتبيع الفائض لشركات توزيع الكهرباء فى مدينة بنما، وتعتبر هيئة القناة من أكبر خمس شركات لتوليد الكهرباء فى البلاد.
وفى 2002 افتتحت هيئة قناة بنما ما يسمى بـ«قناة معلوماتية جديدة» تمتد لـ87 كيلومتراً بطول القناة، مما جعل لدى الهيئة الآن كابلات عالية الكثافة من البولى إثيلين مرتبط بها غرف تفتيش فى كل كيلومتر، ومتاحة للإيجار لشركات الاتصالات السلكية واللاسلكية المحلية والدولية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للهيئة توفير خدمة نقل البيانات من خلال تأجير كابلات الألياف البصرية عالية السرعة، وتتيح الهيئة مساحات ومبان لشركات الاتصالات مهيأة لتركيب معدات وهوائيات. وبذلك يتم تغطية مدينة بنما ومناطق مجاورة بخدمات الاتصال الهوائى، والإنترنت، وكابلات التليفزيون، وشبكات المعلومات بين البنوك.
وتوفر هيئة القناة أيضا خدمات تعليمية وتدريبية بمقابل مادى، من خلال برامج لكل من المبتدئين والمديرين المحترفين، وتتيح كذلك فرصة التعلم من خلال محاكاة للعمليات البحرية الحقيقية لأعداد محدودة من مشاركين محليين ودوليين حسب الطلب، ويقوم المدرسون والمدربون بوضع المناهج وإجراء أبحاث فى مجال الموانئ والمشروعات البحرية من خلال المركز البحرى للتدريب والبحث والتطوير التابع للهيئة.
وتشكل قناة بنما عاملا متناميا للجذب السياحى فى أمريكا الوسطى، حيث تتوفر خدمة النزهة البحرية فى البواخر الفاخرة التى تعمل مع الهيئة بنظام التعاقد. وبالقرب من بحيرة «جاتن» التى تمر فيها قناة بنما، يوجد مركز بحيرة جاتن للترفيه والاستجمام. ولأن الآلاف من سفن الرحلات تمر فى القناة كل عام، تتوفر بالقرب من الميناء الموجود على كل طرف من أطراف القناة خدمات البريد، والبنوك والصرف الآلى، ومقاه ومطاعم، ومكاتب إنترنت، وعدد من مكاتب السياحة، وبالطبع عدد من الفنادق والنزل.
إن تقديم كل هذه الخدمات المصاحبة لعملية مرور السفن من قناة بنما يدفعنا حتما للتساؤل عن إيرادات القناة، والإيرادات التى تخلقها تلك الأنشطة التكميلية. وبالرجوع إلى القوائم المالية لهيئة القناة لعام 2011، يتضح أن رسوم مرور السفن تبلغ 1٫73 مليار دولار، والإيرادات من الخدمات الأخرى حوالى 0٫59 مليارا.
ومن الجدير بالذكر أن فى نهاية القناة من جانب المحيط الأطلسى تقع منطقة كولون الحرة، ثانى أكبر مركز لإعادة التصدير فى العالم بعد هونج كونج، فمثلا فى 2009 تم تفريغ بضائع بقيمة 9٫1 مليارات دولار فى المنطقة، ثم إعادة التصدير بقيمة 9٫7 مليارات دولار بعد إعادة التصنيع، والتصنيف، والتغليف... إلخ.
ونظراً للأهمية الخاصة والوضع المتميز لقناة بنما فى الدولة، فإن هيئة القناة مستقلة مالياً تماما، ولديها ممتلكاتها الخاصة التى لها الحق فى إدارتها، فهيئة القناة هى التى تتولى إجراء المفاوضات مع هيئات التمويل الدولية، لتوفير الأموال اللازمة لتنفيذ مشروعات تطوير القناة، فالدولة لا تضمن أو تصدق على القروض الممنوحة للهيئة، بل للدولة تصنيف ائتمانى أقل من ذلك الذى تتمتع به الهيئة.
ويترأس الهيئة مدير ونائب مدير ومجلس إدارة مكون من أحد عشر عضواً، ويعين المدير لمدة سبع سنوات، ثم يمكن أن يعاد انتخابه لمدة أخرى. وبالنسبة لأعضاء مجلس الإدارة، يعين رئيس الجمهورية 9 منهم بعد موافقة مجلس الوزراء وغالبية أعضاء المجلس التشريعى (البرلمان)، الذى يعين عضواً واحداً، بينما يعين الرئيس العضو الأخير الذى يقوم بوظيفة رئيس مجلس الإدارة ويكون بدرجة وزير دولة لشئون القناة، وهو يحضر اجتماعات مجلس الوزراء وله حق إبداء الرأى والتصويت.
إن قناة بنما تحمل طموح وآمال الكثير من مواطنى بنما، لتكون دافعاً للنمو الاقتصادى ومحركاً للرفاهية الاجتماعية والاقتصادية، خاصة بعد موافقة الشعب على مشروع توسيع القناة بنسبة 76٫8% فى استفتاء وطنى شامل، وهو المشروع الذى بدئ تنفيذه فى بداية عام 2009، عقب نجاح هيئة القناة فى توقيع عقد الحصول على حزمة مالية بقيمة 2٫3 مليار دولار، فى خضم الأزمة المالية العالمية، من كبرى هيئات التمويل فى العالم: بنك اليابان للتعاون الدولى وبنك الاستثمار الأوروبى وبنك التنمية الأمريكى ومؤسسة تمويل الأنديز (بنك تنمية الدول اللاتينية) ومؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولى.
ومن المتوقع أن ينتهى المشروع فى 2014، وأن يضاعف قدرة القناة على استيعاب سفن أكثر عدداً وأكبر حجماً، ليضخ أكثر من 8٫5 مليارات دولار فى خزانة الدولة خلال الـ11عاماً الأولى من التشغيل.