مؤتمر ليبيا.. طاولة برلين
على مدار سنوات مضت، كانت ليبيا كغيرها من محطات التفتت العربى صريعة للفوضى وميليشيات السلاح أياً كان انتماؤها. عانت -كسوريا واليمن ولبنان والعراق- الانقسام بين مؤسسات وطنية ضعيفة ونفوذ شخصيات تحركها قوى إقليمية وأجنبية كل حسب مصالحه وهواه. وعلى مدار السنوات الماضية أيضاً، كانت مصر حاضرة فى كل تلك المحطات المتهاوية، لا بمنطق القوة أو المصلحة أو الوجود، ولكنه حضور المدرك للمخاطر والداعم لمؤسسات وطنية حتى على علاتها وضعفها. كانت بلادى حاضرة بحكم فهم الجغرافيا والتاريخ.
وعلى مدار الأسابيع الماضية كان إعلان المخفى فى الأزمة الليبية على مدار سنوات تسع مضت. سقطت الأقنعة ليظهر وجه الدعارة السياسية القبيح لبعض الدول التى تسمى للأسف بـ«عربية»، وظهر صراع قوى العالم القديم والحديث فى ليبيا بُغية تحويلها نموذجاً جديداً لسوريا التى تقاسموا فيها المصالح والثروات والأراضى دون اعتبار لأمنها وشعبها. ومن هنا كان مؤتمر برلين «19 يناير 2020» الذى دعت لعقده المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والمبعوث الأممى غسان سلامة، ودُعى له، إلى جانب قائد الجيش الليبى خليفة حفتر ورئيس الحكومة المؤقتة فايز السراج، كل من روسيا وأمريكا ومصر وفرنسا وبريطانيا والصين وإيطاليا والكونغو والإمارات والجزائر والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى والاتحاد الأفريقى وجامعة الدول العربية.
على طاولة برلين ستجلس المصالح للتفاوض وفرض رؤيتها كل حسب أوراقه على الأرض وما يملكه من دعم الحاضرين حتى لو تقاطعت المصالح فى بعض الأوقات، أو اتفقت فى كواليس السياسة لأغراض فى نفس كل يعقوب. ولذا لا تصدق ما تسمعه من تصريحات وما تراه من استعراضات على المسرح العالمى. ففقط فى الغرف المغلقة ستكون الحقيقة أو بعضها على الأقل.
ومن هنا فالجميع يعلم أن مصر حاضرة بقوة فى المشهد الليبى ولن تسمح بالمساس بأمن ليبيا الذى هو أمنها، كما لن تسمح بأن تكون ليبيا محطة لإيواء إرهابيين وتدريبهم كما خططت قطر وتركيا بعلم أمريكا وإيطاليا وبريطانيا والناتو منذ 2011. الجميع يعلم أن مصر ضربت مراكز إيواء لداعش حينما قتلوا 21 مصرياً مسيحياً فى 2015 دون إعلان أو تنويه مسبق.
الجميع يعلم ويدرك دور حلف الناتو العسكرى فى تدمير ليبيا وفتح ساحات الفوضى بها بتفويض -للأسف- عربى، بقيادة قطر وتوقيع الأمين العام لجامعة الدول العربية الأسبق عمرو موسى فى العام 2011، والجميع يعلم أن بريطانيا وأمريكا قادتا تلك الضربات، وتم غض البصر عن الدور القطرى والتركى فى دعم الإخوان فى ليبيا لتحقيق الأهداف الموضوعة مسبقاً للتفتيت وتوسيع رقعة الميليشيات المسلحة من سوريا والعراق مروراً بمصر وليبيا وحتى موريتانيا وجنوباً فى تشاد والسودان.
الجميع يعلم أن ألمانيا تخشى انهيار الساحل الشمالى الأفريقى كباب جديد للهجرة غير الشرعية للاجئين التى تهددها بها تركيا. ألمانيا تعلم أن اللاجئين جسر عبور الإرهابيين لأراضيها. إيطاليا نفس الشىء أيضاً، ويزيد عليها وجودها فى الغرب الليبى باستثمارات وعلاقات مع السراج، ولكن مصالح الغاز فى شرق المتوسط ومصالحها مع اليونان وقبرص ومصر قد تغير المسار. روسيا ليست بالصديق الوفى للقضايا العربية ولكنها الصديق الحاضر لمصالحها. روسيا تعلم أن تركيا، رغم الخلافات التاريخية والحديثة، باب للغاز الروسى لأوروبا المتقلبة سياسياً. روسيا تريد إثبات حضورها وفقاً لمجموع مصالحها فى المنطقة. وكذلك أمريكا الحاضر فى كل الأزمات على سطح الكرة دعماً لمفهوم السيادة. الجزائر تتوافق رؤاها -للأسف- والرؤية التركية... الغاز المصرى أحد ملفات الاختلاف مع مصر. الصين قوة عالمية تسعى لمصالحها.
الجميع يعلم أن الجلوس على الطاولة ليس بالأمر السهل ولكن تفرضه المصالح.. ليبقى التساؤل: هل تخرج ليبيا منتصرة؟ أشك.