عندما أنقذنى «سمير سيف» من غضب «أحمد زكى»

مصطفى عمار

مصطفى عمار

كاتب صحفي

حقق أحمد زكى نجاحاً كبيراً فى فيلم «أيام السادات» ووصل لدرجة كبيرة من التوحد مع شخصية الرئيس أنور السادات، جعلته يتعامل مع المحيطين به لفترة طويلة بشخصية الرئيس، وعاش فترات صعبة ليتخلص من لعنة هذه الشخصية كما كان يصفها، وجاء الحل على يد المنتج الراحل ممدوح الليثى، الذى كانت تربطه علاقة صداقة قوية بالنجم الأسمر، وبالفعل نجح الليثى أن يقنع أحمد زكى بتوقيع عقود فيلم «معالى الوزير»، للمؤلف الكبير وحيد حامد، ولمعرفة الراحل ممدوح الليثى والكاتب وحيد حامد بشخصية أحمد زكى ومدى المعاناة التى سيمر بها للخروج من شخصية السادات أمام الكاميرا، اتفق الاثنان على ترشيح الدكتور «سمير سيف» لإخراج الفيلم، فهو معروف بحسن إدارته للممثلين، ولديه خبرة كبيرة فى التعامل مع النجوم الكبار وغرورهم، بحكم عمله السابق مع أسماء مثل عادل إمام ونور الشريف ومحمود عبدالعزيز. ولكن بقيت مسألة إقناع «سمير سيف» نفسه بالموافقة على التعاون مع أحمد زكى هى الأصعب، خصوصاً أنه على علم بطبيعة أحمد زكى ومدى انفعاله داخل «لوكيشن» التصوير، وهو ما جعله متحفظاً فى قبول مهمة إخراج الفيلم، وعقد الليثى وحامد جلسة ضمت سمير سيف وأحمد زكى ليتحدث كل منهما على طبيعته، وصارح سمير سيف أحمد زكى بتخوفه من العمل معه حتى لا يخسره على المستوى الإنسانى، وذكر له ما سمع عن مواقفه السابقة مع المخرجين، والمفاجأة كانت فى رد فعل أحمد زكى، الذى أكد لسمير سيف صحة جميع الوقائع، ولكنه قام بتفسيرها وذكر أسبابها، وهو ما اقتنع به سمير سيف ووافق على التعاون معه فى فيلم «معالى الوزير»، هذا الفيلم الذى يؤرخ لمرحلة هامة من فساد الوزراء والحكومة فى عصر الرئيس السابق حسنى مبارك.

والذى يُحسب له أن الفيلم كان من إنتاج الدولة وقتها ممثلة فى «جهاز مدينة السينما» بالإضافة إلى أن الرقابة لم تحذف مشهداً واحداً من الفيلم! وبدأ تصوير الفيلم، وعاش زكى فترات عصيبة داخل كواليس الفيلم، بسبب نبرة صوته وتغيرها إلى نبرة صوت الرئيس أنور السادات فى مشاهد عديدة من الفيلم، ولولا صبر سمير سيف وخبرته فى إدارة موهبة أحمد زكى لما نجح زكى فى التخلص من شخصية السادات ولما حقق فيلم «معالى الوزير» كل هذا النجاح.. ولكاتب هذه السطور واقعة أنقذنى فيها المخرج سمير سيف من غضب الراحل أحمد زكى داخل كواليس فيلم «معالى الوزير».. فمع بداية تصوير الفيلم تحدثت إلى المخرج الكبير سمير سيف وطلبت منه زيارته فى كواليس الفيلم، ورحب الدكتور سمير وذهبت إليه فى الموعد المحدد، وبالصدفة كان أحمد زكى سيقوم بتصوير مشهد استجوابه أمام مجلس الشعب فى وقائع فساد وتجاوزات له، وكان هذا المشهد ثقيلاً على نفسيته بسبب تأثره بأدائه فى مشهد خطابه أمام مجلس الشعب فى فيلم «أيام السادات»، وطلب زكى أن يقتصر يوم التصوير على هذا المشهد فقط.. وبالفعل وافق المخرج سمير سيف، وحضر أحمد زكى لاستوديو مدينة السينما وهو يبدو عليه التوتر، واقترب من سمير سيف ليصافحه، وقال له نصاً: «المشهد ده معفرتنى ومش عارف أخرج من السادات، فاصبر علىّ شوية يا دكتور»، وهنا ضحك المخرج الكبير وقال له: «ولا يهمك، إحنا معاك للصبح». وذهب أحمد زكى إلى غرفته لتجهيز نفسه وعاد ليقف على منصة مجلس الشعب المجهزة بالديكور، وكان معروفاً عنه قبل تصوير مشاهده أن يتم إخلاء «البلاتوه» من جميع الحضور باستثناء مدير التصوير، ليكون فى مواجهة الكاميرا فقط، ليستطيع استحضار الشخصية التى يؤديها دون أن يشتت تركيزه أحد، ولأننى كنت فى بداية العشرينات، لم أستطع أن أجعل لحظة مثل هذه تمر من أمامى دون أن أشاهدها، فطلبت من الدكتور سمير سيف حضور تصوير المشهد والجلوس إلى جواره فى صمت فوافق على الفور، وبالفعل بدأ أحمد زكى تصوير المشهد وقام بإعادته أكثر من 8 مرات متتالية، بسبب تغير نبرة صوته إلى نفس نبرة الصوت التى كان يؤدى بها شخصية الرئيس «السادات»، وفى إحدى المرات لم أستطع السيطرة على نفسى وقمت من على الكرسى ورفعت رأسى لأشاهده وهو يمثل على الحقيقة وليس من خلال «المونيتور»، فما كان منه سوى الصراخ فى وجهى قائلاً «بتعمل إيه الله يخرب بيتك»، فانتفضت وتسمّرت مكانى، ولكن المخرج الكبير سمير سيف لم ينزعج ولم يعاتبنى على تصرفى، وقال لى: ولا يهمك خليك مكانك، وذهب وقام بتهدئة أحمد زكى وعاد وقام باستكمال تصوير المشهد، وعندما طلبت منه المغادرة رفض تماماً وقال لى: خليك مكانك، وأنهى زكى المشهد فى روعة كبيرة جعلت جميع الحضور يصفقون له، وبعدها اصطحبنى الدكتور سمير لغرفة أحمد زكى، وبمجرد أن رآنى قال لى: «عاوز تتفرج على إيه ما أنا قدامك فى الشاشة أهو».. فبدا علىّ التوتر، فاحتضننى وقال لى: «أنا آسف، الشخصية معصبانى جداً»، ولكن المخرج الكبير قال له: اعتذارك مش كفاية.. تعزمه على شاى وتخليه يعمل معاك حوار، وهو ما حدث بالفعل، وكان مدير أعماله محمد وطنى يحضر هذه الواقعة وصرنا أصدقاء من وقتها.

هكذا كان يتعامل سمير سيف مع الجميع، طلبة وصحفيين صغاراً وممثلين مبتدئين، لا يبخل عليهم بوقت أو مجهود أو دعم، هكذا كان يتصرف الكبار، ولهذا السبب نحزن على فراقهم.

فسلاماً على روحه الطيبة.