"جلال" يعمل رغم بلوغه الـ78 عاما: لو ما اشتغلتش مين هيصرف على ولادي.. وولادهم؟!

"جلال" يعمل رغم بلوغه الـ78 عاما: لو ما اشتغلتش مين هيصرف على ولادي.. وولادهم؟!
الوقار والهيبة سمتان مميزتان لجلسة «جلال عمارة» الدائمة على مقعد خشبى على إحدى نواصى شارع التحرير فى منطقة الدقى، وبجانبه عكازه الخشبى الذى يساعده على الحركة، بينما يستقبل تحيات المعارف وسلام الشباب الصغير بكثير من المحبة واللطف وقليل من الخجل. رغم مرور 17 عاماً على بلوغه سن المعاش، رفض «جلال» فراق أصدقائه وأحبابه فى الدقى، حيث كان يعمل ساعى بريد لما يزيد على 40 عاماً، معتبراً أن ذهابه هناك يومياً لتقديم المساعدة لمن يرغب سواء من زملائه من كبار السن، أو النصيحة الصادقة مع التوجيه للشباب أمر بديهى، إلى جانب الحفاظ على علاقات الصداقة التى أقامها مع الناس هناك.
يواصل تربية أجيال جديدة ولكن بروح هذا العصر
«باجى هنا كل يوم وأقعد فى نفس المكان، واللى محتاج منى حاجة بقدمها عن طيب خاطر، لأن ده دورى اللى كنت بعمله قبل ما أوصل على المعاش، واللى ما ينفعش يقف علشان أنا كبرت فى السن»، قالها «جلال» باعتزاز، بينما يسلم على أحد الشباب ويخبره عن تطور أحواله فى الوظيفة التى تقدم لها بإحدى الهيئات الحكومية.
«رغم سنه ده إلا إنه شايل شيلته التقيلة برجولة»، كلمات جيرانه فى المحال المجاورة، يدعمونه بها ليواصل كفاحه، فالجميع فى المنطقة يعلم قصته الصغيرة، فعلى الرغم من عدم قدرته على العمل بسبب إصابته بمرض الرعاش بعد خروجه على المعاش، إلا إنه ما زال يتولى تربية حفيدتيه بعد غياب ابنته لظروف خاصة بها فى العمل والزواج: «الحمد لله على كل حال، فى السراء والضراء، أنا عندى ثلاثة أبناء، ابنى الكبير بيدور على شغل، وكل فترة فى شغلانة جديدة، وبنتى التانية ليها ظروف خاصة بالشغل والزواج، فأنا اللى بربى بناتها الاتنين، بالإضافة إلى بنتى الصغيرة اللى درست آداب إعلام وبتكمل دراستها العليا». يظهر الحب والتعلق الشديد فى كلمات «جلال» عند الحديث عن حفيدتيه، فرغم فرق السن الكبير بينه وبينهما، حيث تبلغ الكبرى 17 عاماً وتدرس فى الصف الثالث الثانوى، والصغرى 14 عاماً فى الصف الثانى الإعدادى، إلا إنه لا يشعر بهذا الفرق: «أنا بعتبرهم حياتى، وسبب استمرار النفس جوا قلبى، وعمرى ما حسيت بفرق فى التعامل معاهم أو أنى مجرد جد ليهم، علشان كده بحاول أقوم بكل الأدوار معاهم، مرة أب ومرة أخ وساعات صديق، وببقى حريص على توجيههم بما يتناسب مع العصر اللى إحنا عايشين فيه، ويناسب الجيل ده، خصوصاً إن بنتى مش موجودة معاهم طول الوقت».
أصعب مهمة لـ«جلال» مع حفيدتيه هى توفير المال اللازم لمتطلباتهما، خصوصاً أنه لا يرغب فى أن تشعر إحداهما بأنها أقل من زميلاتها: «اللى فى تالتة ثانوى دى بتصرف مش أقل من 100 جنيه فى اليوم سواء مصاريف أكل وشرب ومواصلات فى الدروس وتصوير ورق، وأنا بتابع معاها، علشان كده أى شغلانة صغيرة بتيجى ليا جنب معاشى حتى لو صعبة عليا، بقبلها وأحاول أخلصها، علشان تساعدنى فى تربيتهم». لا يقتصر إنفاقه على حفيدتيه فقط، بل على ابنه الكبير أيضاً، فنتيجة المشكلات التى واجهته بسبب تأخر التحاقه بالخدمة العسكرية، كان عليه أن يساعده مالياً لكى يقف «على رجليه» بحسب تعبيره: «مش دورنا كآباء وأمهات بس إننا نسند ولادنا لغاية لما يكبروا، دورنا أننا نسندهم طول الوقت علشان ما يقعوش حتى لو كانوا كبار، وده اللى بعمله أنا ومراتى مع ابننا».
الاستقامة، الإخلاص، الصلاة، الأدب، الأخلاق، الصدق، احترام الكبير، جزء من القيم التى يحاول «جلال» غرسها فى حفيدتيه، بعد أن رأى الأمر بدأ يقل تدريجياً بين الأجيال الجديدة: «الدنيا فيها الحلو والوحش، فى شباب لما بتعامل معهم بحس بمدى الاحترام والأدب والتقدير فى معاملتهم، وفى ناس لأ، بس الأغلبية هى اللى مش بتقدر، علشان كده بحاول أغرس الحاجات دى فى أحفادى، لأن المبادئ ما بتتجزأش، واللى بيعيش من غير مبادئ كأنه مش عايش».