التوترات الصينية الأمريكية من الصراع التجارى إلى حرب العملات

كتب: محمد المالكى

التوترات الصينية الأمريكية من الصراع التجارى إلى حرب العملات

التوترات الصينية الأمريكية من الصراع التجارى إلى حرب العملات

تصاعدات جديدة وصلت إليها الحرب بين العملاقين أمريكا والصين لتتحول من حرب على الصعيد التجارى إلى حرب اقتصادية شاملة، فخلال الأيام الأخيرة بعثت الصين رسالة شديدة اللهجة تشير إلى أنها مستعدة لدخول حرب عملات من خلال خفض قيمة عملتها لتعزيز القدرة التنافسية لصادراتها، حيث سمحت السلطات المالية الصينية بتراجع سعر اليوان إلى 7.03 يوان للدولار، وهو أدنى مستوى له منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، وذلك بعد أيام من إعلان دونالد ترامب خطة لفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على سلع صينية جديدة بقيمة 300 مليار دولار، فى تصعيد جديد للتوترات التجارية بين أكبر اقتصادين فى العالم.

وأثار هذا التحرك جنون أسواق المال العالمية، إذ انخفضت عملات الأسواق الناشئة، وانخفضت أسواق الأسهم بنسبة 3% تقريباً، وارتفع الذهب كملاذ آمن، وانخفض عائد سندات الخزانة ذات الأجل 10 سنوات إلى 1.74%.

ولم تتوقف الخسائر الناجمة عن قرار خفض سعر اليوان على هذا الجانب فقط، بل وصلت إلى الأفراد أيضاً حيث خسر أغنى 20 شخصاً على مؤشر أغنياء العالم نحو 2.1% من ثروتهم، وهو ما يعادل 117 مليار دولار، وذلك بعد أن تراجع مؤشر «داو جونز الصناعى» الذى يضم أكبر 30 شركة، بأكثر من 2% عقب تطبيق القرار وفقاً لتقرير لوكالة «بلومبرج»، ومن المتوقع أن تكلف الحرب التجارية الشاملة الاقتصاد العالمى نحو 1.2 تريليون دولار.

أثار التصعيد الصينى غضب الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى وصفه بأنه «انتهاك كبير» قائلاً: «إن الخطوة ستضعف بكين إلى حد كبير مع مرور الوقت»، مُتهماً بكين بشكل رسمى لأول مرة منذ عام 1994 بأنها «تتلاعب بالعملة»، فى إشارة إلى قانون أمريكى يفرض عقوبات على الدول التى تخفض عملتها للحصول على مزايا تنافسية غير عادلة.

من جانبها، نفت الصين أنها تتلاعب بالعملات، وبررت انخفاض اليوان بأنه تأثر بالسلوك الأحادى والإجراءات الحمائية التجارية وزيادة الرسوم الجمركية على الصين، وشدد المركزى الصينى على أن بلاده لم ولن تستخدم سعر الصرف كأداة للتعامل مع النزاعات التجارية.

فى حين أن منافسى الصين، بما فى ذلك دول أخرى غير الولايات المتحدة، ظلوا يشكون منذ فترة طويلة من أن اليوان منخفض القيمة عن عمد يمنح المصدرين الصينيين ميزة غير عادلة.

وفى الواقع فإن الصين على عكس الولايات المتحدة والدول المتقدمة تمتلك قدرة أكثر للتحكم فى قيمة عملتها، إذ تحدد معدلات جديدة كل يوم، وبإمكان العملة أن تزيد أو تقل 2% من وضعها القائم.

ولا تُعد هذه هى المرة الأولى التى تستخدم فيها الصين عملتها كإحدى أهم أدواتها فى حربها التجارية، فقد سبق أن قامت الصين بتخفيض قيمة اليوان عدة مرات كان آخرها فى 2015، حيث خفض البنك المركزى الصينى قيمة اليوان إلى أدنى مستوياته فى ثلاث سنوات مقابل الدولار الأمريكى.

وقال البنك حين ذاك إن الخطوة صُممت لتعزيز إصلاحات فى السوق، ولكن المرة الأخيرة التى تداول فيها اليوان عند هذا المستوى (سبعة يوان مقابل الدولار الواحد) كانت إبان الأزمة الاقتصادية العالمية.

لا شك أن هبوط اليوان يعنى صعود الدولار بشكل مباشر وهو ما يحدث بالفعل على مدار الأيام الماضية، رغم خفض الفائدة، وبالرغم من أن البعض قد يرى أن صعود العملة الأمريكية أمر إيجابى بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن «ترامب» يكافح من أجل خفضه بسبب زيادة العجز التجارى، إذ تعانى الولايات المتحدة الأمريكية من عجز تُعد قيمته الأعلى فى العالم، حيث قفز العجز التجارى إلى 621 مليار دولار خلال عام 2018، ليكون الأعلى منذ عام 2008، فيما بلغ العجز التجارى الأمريكى مع الصين نحو 419.2 مليار دولار خلال نفس العام وهو أعلى مستوى له على الإطلاق وفقاً لبيانات وزارة التجارة الأمريكية.

وترى الإدارة الأمريكية أن أهم أسباب هذا العجز هو خفض الدول المصدرة لها من قيمة عملتها المحلية فى مقدمتها الصين، وهو ما يضيف ميزة تجارية لسلعها، وبالتالى يتدهور العجز التجارى الأمريكى.

وأثارت هذه التوترات مخاوف عدة حول إمكانية أن تكون حرب العملات هى الخطوة التالية فى الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وماذا سيحدث إذا قررت إدارة ترامب الرد بتخفيض قيمة الدولار الأمريكى؟

ويتضح حجم هذه المخاوف فى التراجع الحاد فى أسواق الأسهم العالمية، الذى شمل جميع الأسواق الرئيسية الآسيوية والأوروبية والأمريكية وصولاً إلى الأسواق العربية، وتخشى الأسواق من اندلاع حرب عملات مدمرة ودخول سلسلة متواصلة من إجراءات خفض قيمة العملات يصعب إيقافها.

رضوى السويفى: الصين تسعى إلى استخدام سعر الصرف كـ"سلاح" فى حربها التجارية مع الولايات المتحدة

من جانبها، قالت رضوى السويفى، مدير إدارة البحوث بشركة فاروس القابضة للاستثمارات المالية، إن الصين تسعى إلى استخدام سعر الصرف كسلاح عبر ربطه بقيمة العملة بالحرب التجارية الدائرة مع الولايات المتحدة.

وأضافت أن هذه الخطوة تأتى كرد على التوجه الأمريكى الأخير بخفض أسعار الفائدة والقيود الجمركية الجديدة، مشيرة إلى أن انخفاض قيمة اليوان يؤدى إلى زيادة تنافسية الصادرات الصينية، بما يخفض قيمة شرائها بالعملات الأجنبية.

ياسر جاد الله: خفض اليوان سيؤثر سلباً على الميزان التجارى.. والصناعة الوطنية لابد أن تنتبه لذلك

فيما قال ياسر جاد الله، مدير مركز البحوث الصينية، إن اتهام واشنطن لبكين بالتلاعب بالعملات هو جزء من استراتيجيتها فى حربها التجارية، مشيراً إلى أن انخفاض اليوان جاء كرد فعل لسياسة الولايات المتحدة ضد الصين بفرض رسوم جمركية على منتجاتها مما أضعف من القدرة التنافسية للصادرات الصينية داخل الأسواق الأمريكية بصفة خاصة والعالمية بصفة عامة.

وأكد أن تحرك الولايات المتحدة لتسمية الصين «متلاعب العملة» سوف يسبب اضطرابات مالية عالمية ويدفع الاقتصاد العالمى نحو الركود، مضيفاً أن الأسواق الناشئة ستعانى من تصاعد هذه التوترات من خلال قيام المستثمرين بسحب أموالهم من هذه الأسواق لتوجيهها نحو الملاذات الآمنة.

جدير بالذكر أن تصاعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين أدى إلى نزوح نحو 3 مليارات دولار من أسهم وسندات الأسواق الناشئة خلال الأسبوع الماضى فقط، وذلك وفقاً لتقديرات «معهد التمويل الدولى».

وعلى الصعيد المصرى، قال «جاد الله» إنه بالرغم من إمكانية أن تكون مصر رابحة من أى حرب تجارية بين الصين وأمريكا، إلا أن هذا الإجراء (تخفيض قيمة اليوان)، سيكون له تأثير سلبى على السوق المصرية، لأنه سيؤدى إلى انخفاض أسعار المنتجات الصينية بشكل كبير بالمقارنة بالمنتجات المحلية فى السوق المصرية، وبالتالى زيادة فاتورة الواردات التى تنعكس بدورها على تنامى عجز الميزان التجارى، إلى جانب إغراق السوق المحلية بالمنتجات الصينية رخيصة الثمن مما يقلل قدرة المنتجات المحلية على منافستها، الأمر الذى ينعكس سلباً على الصناعة الوطنية.

وقال محمد أبوباشا، نائب رئيس قطاع البحوث بالمجموعة المالية «هيرميس»، إن تطور الصراع التجارى بين الولايات المتحدة والصين وانتقاله إلى مرحلة حرب للعملات سيلحق ضرراً هائلاً بالنظام المالى العالمى وفوضى بالأسواق المالية، كما أنه سيعرقل التعافى الاقتصادى والتجارى العالمى، مشيراً إلى أن الفترة المقبلة قد تشهد توسعاً فى الإجراءات الانتقامية المتبادلة على نطاق واسع، مما يضغط أكثر على ثقة الشركات والنمو الاقتصادى العالمى.

وتابع أن خطوة خفض الصين لقيمة عملتها سلاح ذو حدين، حيث إن ضعف اليوان من شأنه أن يخفف أثر الرسوم الأمريكية المفروضة على الصين من خلال جعل السلع الصينية أكثر تنافسية مقارنة بالدولار، ولكن على جانب آخر فإن ضعف العملة يخلق حوافز للعائلات والشركات لنقل أموالهم إلى خارج البلاد وإلى عملات أقوى، وهذا من شأنه أن يجبر الحكومة الصينية على السحب من احتياطياتها -أكبر احتياطى فى العالم بأكثر من 3 تريليونات دولار- لشراء اليوان ودعم قيمته، إلى جانب التأثير السلبى بارتفاع تكلفة وارداتها وبصفة خاصة النفطية.


مواضيع متعلقة