«كلبش».. بين الواقع والخيال

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

فى جولة التفتيش داخل العقل عما نراه من وجهة نظرنا الظلم والجبروت والطغيان، نضرب فيه أعناق الحقائق بمزاعم أننا مخدوعون ومضللون ننتقد الواقع بغية تصحيحه، نكتشف أننا لا نعرف شيئاً سوى القشرة الخارجية التى نراها بأعيننا المجردة فقط، فهناك حقائق خفية يشوبها الكثير من الألغاز التى تحجبها الضرورة والسرية والكتمان لأهداف أكبر وأسمى، إنه إسقاط على الواقع السياسى والاجتماعى الذى ندور فى رحاهما، السلبيات الكثيرة التى نعيشها والأزمات القاسية التى تطحن استقرارنا ولا نعرف لها نهاية ولا بداية يختبئ خلفها الكثير من الأسرار المثيرة التى لا يتصورها عقل مهما كان وعيه وإدراكه فهناك فى الخلفية دائماً مبررات وجودها دون الإفصاح عنها لدواعٍ أمنية تارة ولكشف جذور المؤامرة تارة أخرى.

الجزء الثالث من مسلسل «كلبش» وضع أيدينا على الجرح الغائر حتى لو كان افتراضياً، فرضته ظروف الدراما وقواعدها، لكنه يلمس واقعنا بشكل مباشر، كل ما نراه فى حياتنا ونعانى منه سواء كان إرهاباً فكرياً أو عملياً يقف فى خلفيته أمور أقسى وأخطر لأن قواعد السرية والكتمان تحتم عدم الإفصاح عنها أو حتى تفسيرها، فنترك نهباً للتكهنات والتحليلات وما يتسرب من معلومات أو اجتهادات ذاتية يكمن فى باطنها الشيطان وفى ظاهرها الشفافية والمكاشفة، مسلسل «كلبش» أوقعنا فى حيرة الجهل بالمعلومات وما يحاك فى الغرف المغلقة من مؤامرات، ما يجب أن نعرفه ويكشف عنه وما يكتنفه الغموض ويحظر الاقتراب منه، أوقعنا فى حيرة الميل لمن؟ ولماذا؟! هل نكتفى بما يقال رسمياً أم نجتهد وفى الاجتهاد نقع فى فخ الخطيئة والجهل بالحقيقة؟ ربما لأننا تعودنا لعقود مضت ألا نشغل أنفسنا بالتفكير فيما وراء الظواهر التى تحدث، واكتفينا بالتأمل والترقب، لكن الظروف المحيطة بنا فى الداخل والخارج فرضت علينا أن نضع أنفسنا فى مكانة المراقب والمحلل والمجتهد والعالم ببواطن الأمور، فضاعت منا البوصلة، وتركنا فى فضاء الشائعات وأجدنا تقمص دور الضحية، «كلبش» سلط الضوء على العالم الخفى من المتآمرين والمخاطر التى تستوجب ترك صانعيها مهما أثير حولها من اللغط والفوضى حتى يتم حصارها واجتثاثها من جذورها؟ وفى المنتصف نجد أنفسنا نَظلم ونُظلم، فهل من حقنا الاجتهاد وإطلاق العنان للخيال يأخذنا فى أى اتجاه تحت مسمى المكاشفة والمصارحة وحرية الرأى؟ أم يتوجب علينا الصمت وتلقى المعلومات المسموح بالبوح بها فقط؟ هل ساهمنا بتحقيق أهداف المتآمرين حين صدقنا أننا ندور فى حلقة مفرغة ومعلومات مضللة لا تمت إلى الواقع فوقعنا أسرى للتخبط وأحياناً التجاوز والتطاول؟ هل من حقنا أن نعرف كل شىء الظاهر منه والخفى حتى لا نجتهد فنخطئ؟!

بلا شك أن هناك حقائق وظروفاً أمنية لا ينبغى الاقتراب منها أو التشكيك فيها، ومن هنا يحدث الاختلاف وحرب الشائعات وفقدان الثقة، هناك من ضحى بنفسه رخيصة لأهداف نبيلة وفداء للوطن، فى محاربة الإرهاب وأدواته ويده التى تمددت فى كل مكان داخل الوطن وخارجه، وسمحنا لأنفسنا بأن نحلل ونتكهن ونجزم بأنها الحقيقة، خاصة فى العالم الافتراضى والسوشيال ميديا التى أطلقت العنان لكل محلل ومغرض ومتحذلق أن يعبر وينفس عن مكنون ذاته وقناعاته، وأحياناً كثيرة يدس السم فى العسل ونقع أسرى لمن هب ودب، نخترق وجدانياً وفكرياً لأننا لا نملك المعلومات ولا نجيد فن التفكير والتأمل لكل ما يدور من حولنا، «كلبش» وضح الكثير من الغموض الذى لم نكن نستطيع تفسيره، لكن ذلك لا يعفى رأس السلطة من حق المواطن فى المصداقية فى الحدود المسموح بها التى لا تؤثر على قضايا الأمن القومى وضروراته، حتى لا تأخذنا الشائعات والألغاز فى اتجاهات يريدها المتآمرون والكارهون لهذا الوطن واستقراره.