في ذكرى ميلاده.. "بلقيس" وقع في غرامها نزار قباني وتزوجها بأمر رئاسي

كتب: إيمان ربيع

في ذكرى ميلاده.. "بلقيس" وقع في غرامها نزار قباني وتزوجها بأمر رئاسي

في ذكرى ميلاده.. "بلقيس" وقع في غرامها نزار قباني وتزوجها بأمر رئاسي

هو "شاعر الحب والمرأة"، فعبرت كلماته عن مدى عشقه وتعظيمه لذلك المخلوق الحنون، لكن وصفه لعشقه لزوجته "بقليس"، فاق كلمات الغزل والشعر في معانيها الرقيقة.

"شكرا لحبكِ فهو معجزتي الأخيرة بعدما ولى زمن المعجزات"  كلمات عبر بها الشاعر نزار قباني الذي يوافق اليوم ذكرى رحيله، عن مدى عشقه لمحبوبته وزوجته بلقيس الراوي العراقية وكان دائما ما يصفها بأنها الكنز الخرافي الذي عثر عليه صدفة.

في عام 1962 كان "نزار" يلقي أمسية شعرية في إحدى القاعات التي ضمت مهرجانا شعريا في بغداد، فوقع بصره وهو يشدو بقصيدته على فتاة عراقية في العشرينات، شديدة الجمال وفارعة الطول وذات شعر ذهبي طويل فهام بها منذ النظرة الأولى وشعر حينها أنه وجد ضالته، ووجد المرأة التي كان يبحث عنها منذ أكثر من خمسين عاما، وسأل عنها فعرف أنها تدعى "بلقيس"، تعيش في الأعظمية وتقدم لخطبتها، ولكن أهلها رفضوا تلك الزيجة لأن "نزار" كان معروفا عنها بأنه شاعر يتغزل بالنساء، وتقاليد العائلة لا تسمح لبناتهم بالزواج من شاعر لقبوه بـ"شاعر المرأة" خوفا منهم على ابنتهم، وغادر "نزار" العراق وهو حزين وسافر إلى إسبانيا، حيث كان يعمل بالسفارة السورية، غادر بجسده وبقيت روحه معلقة أمام بيت "بلقيس".

ومرت السنوات ولم تفارق صورة "بلقيس" وجه "نزار" ومضى سبعة أعوام منذ أن رآها أول مرة ثم عاد إلى العراق مرة أخرى، ليشارك في لقاء شعري وألقى قصيدته:

"مرحبا يا عراق، جئت أغنيك وبعضا من الغناء بكاء"

"أكل الحب من حشاشة قلبي والبقايا تقاسمتها النساء"

"أنا جرح يمشي على قدميه وخيولي قد هدها الإعياء"

"وأنا الحزن من زمان صديقي وقليل في عصرنا الأصدقاء".

وأثارت كلمات تلك القصيدة تعاطف الشعب العراقي معه وسمع عن تلك القصة الرئيس العراقي وقتها أحمد حسن البكر، الذي بعث بوزير الشباب شفيق الكمالي ووكيل وزارة الخارجية ليخطبها لـ"نزار"، من والدها ولم يستطع والدها هذه المرة رفض الزواج لأن الرئيس وقتها هو من أمره بأن يوافق على زواجهما، وبالفعل تزوج "بلقيس" عام 1973.

قضت "بلقيس" مع "نزار" أجمل سنوات عمره وأنجب منها ولديه زينب وعمر، وتنقلت معه في البلاد وكانت هي ملهمته في كل قصائده وكتب لها العديد من أجمل قصائد العشق أشهرها قصيدة  "أشهد"، وقصيدة "المدخنة الجميلة"، وقصيدة "تصوير" التي قال فيها "اضطجعي  دقيقة واحدة كي أكمل التصوير، اضطجعي مثل كتاب الشعر في السرير، أريد أن أصور الغابات في ألوانها الطبيعية، أريد أن أصور الشامات في اطمئنانها".

عاش الثنائي معا ومرا معا بلحظات فرح ولحظات حزن، فـ"بلقيس"، كانت بالنسبة لـ"نزار" كالأم بالنسبة لطفلها الصغير، فهي كانت حصن الأمان له وحدها التي كانت تملك مفاتيح قلبه، ووحدها التي كانت تعلم بأنه مهما كبر في العمر، ومهما أصبح مشهورا فهو في الأساس رجل يحتاج للتدلليل، وتعامله كطفل صغير يحتاج للحنان والأمان، فارتبط بها ارتباطا وثيقا وكان يشعر بأنها عوض الله له عما مر به من محطات مؤلمة في حياته، كموت والدته وموت ابنه توفيق من زوجته الأولى زهراء،  وموت والده وشقيقته، فالجميع ذهب ولم يبق معه سوى "بلقيس".

ولم تمر سوى أعوام قليلة وتحديدا في 15 ديسمبر 1981، حتى اصطدم  "نزار" صدمته الكبرى، وكانت في وفاة زوجته وأمه الثانية بلقيس الراوي، ماتت في حادث مأساوي تحت أنقاض السفارة العراقية في بيروت على إثر انفجار هائل بالقنابل وقع بها، ويصف نزار قباني هذه اللحظة قائلا: "كنت في مكتبي بشارع الحمراء حين سمعت صوت انفجار زلزلني من الوريد إلى الوريد ولا أدري كيف نطقت ساعتها، بعدها جاء من ينعي إلى الخبر.. السفارة العراقية نسفوها.. قلت بتلقائية بلقيس راحت.. شظايا الكلمات ما زالت داخل جسدي.. أحسست أن بلقيس سوف تحتجب عن الحياة إلى الأبد، وتتركني في بيروت ومن حولي بقاياه، كانت بلقيس واحة حياتي وملاذي وهويتي وأقلامي".

ورثاها بقصيدة من أجمل قصائده والتي كانت تحمل اسمها، وألقى فيها المسؤولية على جميع العرب بأنهم هم السبب في مقتل زوجته وحبيبته وعشيقته "بلقيس".

"هل تعرفون حبيبتي بلقيس فهي أهم ما كتبوه في كتب الغرام، كانت مزيجا رائعا بين القطيفة والرخام كان البنفسج بين عينيها ينام ولا ينام"، واتهم "نزار" العرب مباشرة في قصيدته بأنهم السبب في مقتلها.

"قضائنا العربي يغتالنا عرب ويأكل لحمنا عرب ويفتح قبرنا عرب، فكيف نفر من هذا القضاء فالخنجر العربي ليس يقيم فرقا بين أعناق الرجال وبين أعناق النساء، حتى العيون الخضر يأكلها العرب حتى الضفائر والخواتم يأكلها العرب".

وبالنظر لكلمات القصيدة نجد حقا أنه بوفاة "بلقيس" فقد "نزار" حياته.

"ما زلت أدفع من دمي أعلى جزاء كي أسعد الدنيا ولكن السماء شاءت بأن أبقى وحيدا كأوراق الشتاء، فهل يولد الشعراء من رحم الشقاء وهل القصيدة طعنة في القلب ليس لها شفاء أم أنني وحدي الذي عيناه تختصران تاريخ البكاء؟".

مضت الأعوام وسافر "نزار" للندن وبقيت "بلقيس" معه بروحها حتى وإن غابت بجسدها.

 

 

 


مواضيع متعلقة