اختفى أمام المجالس العرفية ووسائل التواصل الاجتماعى.. راح فين زمن «الكبير»؟!

اختفى أمام المجالس العرفية ووسائل التواصل الاجتماعى.. راح فين زمن «الكبير»؟!

اختفى أمام المجالس العرفية ووسائل التواصل الاجتماعى.. راح فين زمن «الكبير»؟!

«الحكمة والوقار والحلم والهيبة»، مجموعة من الصفات ارتبطت عادة بلقب «كبير العائلة»، خاصة فى المجتمعات الريفية، يختاره أفراد العائلة كبيراً لهم، يلجأون إليه فى الأفراح والأتراح، يستشيرونه فى كل كبيرة وصغيرة، عندما يتحدث لا يجرؤ أحد على مقاطعته، وكلمته كالسيف، وحينما يقول رأياً أو حكماً فى أى خلاف ينشب بينهم، يرتضيه الجميع، وعلى مدار سنوات طويلة، تعارفت الأسر على مجموعة من الصفات والمعايير، يجب أن يتمتع بها كل من يختارونه ليتوارث موقع «كبير العائلة» جيلاً بعد جيل، ليبقى هذا الموقع أحد المقومات الأساسية للتماسك الأسرى.

إلا أن الفترة الأخيرة شهدت اختفاء أو تراجع دور كبير العائلة، لأسباب أرجعها البعض إلى الثورة التكنولوجية وانتشار مواقع تواصل الاجتماعى، التى شجعت الكثير من أبناء الأسرة الواحدة على أن يعيشوا منعزلين عن الآخرين، بالإضافة إلى الثورات السياسية، التى أسقطت هيبة رموز الحكم، مما أثر أيضاً على هيبة كبير العائلة، وانعكس ذلك على نشوب ما يصفه البعض بـ«صراع الأجيال»، حتى انتشرت جملة «ماليش كبير» على ألسنة العديد من شباب هذا الجيل، كما امتلأت أقسام الشرطة بمحاضر النزاعات بين أبناء الأسرة الواحدة، التى كانت لا تعرف طريقاً خارج بيت الأسرة فى وجود كبير العائلة.

«عبدالرحمن صادق»، أحد كبار عائلة «الحساسنة»، فى قرية «زهرة» بمحافظة المنيا، تحدث لـ«الوطن» عن ظاهرة اختفاء كبير العائلة، قائلاً إن هذا الدور تراجع بشكل ملحوظ، مما تسبّب فى حدوث كثير من المشاكل داخل العديد من الأسر، مشيراً إلى أن وجود كبير العائلة كان يحول دون هذا العدد الهائل من القضايا الأسرية المنظورة أمام المحاكم. وأضاف أن كبير العائلة لم يكن دوره يقتصر على أسرته فقط، بل كان يتدخّل لتسوية الخصومات الثأرية، وعقد الجلسات العرفية لإنهاء العديد من القضايا العالقة أمام القضاء، يصل بعضها إلى ما يقرب من ربع القرن، وكانت الأحكام الصادرة فى هذه الجلسات عادة ما تحظى بالقبول من جميع أطراف النزاع. {left_qoute_1}

أما «جمال غانم»، موظف بالمعاش، من أبناء محافظة المنيا أيضاً، فقال إن كبار العائلات كانوا يتّخذون من «العرف» منهجاً لهم فى تقريب وجهات النظر، لأن العرف هو قانون المجتمعات منذ الأزل، وكان معمولاً به قبل القانون الوضعى، خاصة أن الأحكام التى تستند إلى العرف يرتضيها أطراف النزاع، وعلى سبيل المثال، عندما يقوم أحد أطراف خصومة ثأرية بتقديم «الكفن» إلى الطرف الآخر، ففى ذلك رمز إلى العفو ورد الكرامة. وأضاف أن الحلول التى كان يتوصل إليها كبار العائلات تنهى المشاكل من جذورها، بل تتعامل مع بعض الأمور التى تعجز أمامها الجهات الأمنية.

وقال «محمد أبوالناظر»، عضو لجنة المصالحات بملوى، إن اللجنة تعتمد فى عملها على كبار وعقلاء العائلات، وقامت بعقد العديد من جلسات الصلح فى جميع أرجاء المحافظة، وأحياناً يتم استدعاؤها للتحكيم فى جلسات لحقن الدماء بمحافظات أسيوط وسوهاج وقنا، مؤكداً أن أعضاء اللجنة من كبار العائلات لهم قبول فى مجتمعاتهم، ويحظون بالتقدير والاحترام، ومعروف عنهم سعيهم للخير، كما أكد أن القضاء العرفى لا يتعارَض مع القضاء، ولا يلغى القانون الوضعى، بل يساعده ويكمله، لافتاً أيضاً إلى دور الأجهزة الأمنية فى معاونة دور لجنة المصالحات فى إنهاء كثير من الخصومات.

وأكد «فتحى صديق»، من قرية «خزام الشرقية» بمركز دير مواس، أنه «لولا المصالحات التى يدخل كبار العائلات لإنهائها فى كثير من القرى، لتضاعفت أعداد القتلى، وامتلأت ساحات المحاكم بالمتقاضين، بسبب حالة الفوضى، وانتشار السلاح، خاصة بعد الثورة التى أدت إلى ظهور كثير من الكوارث»، على حد وصفه، مشيراً إلى أن جلسات الصلح العرفية، التى يعقدها كبار العائلات، عادة ما تضع ضمانات للحيلولة دون تجدّد النزاع، ولا يتم الصلح إلا برضا جميع الأطراف، دون ممارسة أى ضغوط على أى طرف منهم، وإنما يرجع لثقة المتخاصمين فى أعضاء لجان المصالحات.

وبدأ «زايد رضوان»، 79 سنة، من أبناء محافظة الدقهلية، حديثه لـ«الوطن»، قائلاً: «كنا نعيش فى بيت واحد اسمه بيت العيلة، وكل أسرة لها جزء من البيت تعيش فيه، ويوجد كبير فى كل بيت يحترمه الجميع». وأضاف أنه حتى إذا ما أقدم أحد أفراد العائلة على بناء بيت جديد ليستقل فيه مع أسرته، كان يظل ولاؤه لكبير العائلة، وينصاع لرأيه فى كل كبيرة أو صغيرة، مشيراً إلى أن كبير العائلة كان يتولى كل الأمور داخل العائلة، لذلك كان يسهل حل أى مشكلة تنشب بين أفراد العائلة، أو مع العائلات الأخرى، من خلال جلسة عرفية تجمع كبار هذه العائلات.

وتذكر الرجل الثمانينى أن أكبر مشكلة يمكن أن يتعرّض لها أحد أفراد العائلة، أن تصل إلى كبير عائلته شكوى منه، لذلك كان الجميع يخافون من ارتكاب الأخطاء لعدم اهتزاز صورتهم أمام كبير العائلة، وكان ذلك دافعاً للتحلى بقيم الشهامة والرجولة والمبادئ والأخلاق الرفيعة، ولم تعرف المجتمعات مثل هذه الجرائم والرذائل التى باتت تنتشر بشكل كبير حالياً، خصوصاً بعد تفكك الأسر، وانفراد كل فرد فى العائلة بنفسه، فى غياب دور الأب، الذى أصبح منشغلاً عن أبنائه بشكل دائم، مما أدى إلى هذه الحالة من «التسيب» والانفلات الأسرى، الذى أصبحت تعانى منه معظم العائلات، كما لفت إلى أن كثيراً من أفراد العائلة الواحدة أصبحوا لا يعرفون بعضهم، خاصة الذين يعيشون فى قرى متباعدة، نتيجة تراجع دور كبير العائلة.

وقال الدكتور محمد المتولى، الأستاذ بكلية الآداب بجامعة المنصورة: «كبير العائلة كان مصدر إلهام لجميع أفرادها، وقد عشت هذا الواقع عندما كان عمى كبيراً للعائلة، لم تكن تحدث كبيرة أو صغيرة فى محيط العائلة إلا كنا نرجع إليه فيها، كنا جميعاً، كباراً وصغاراً، نحبه ونحترمه ونأخذ برأيه فى كل شىء، كانت آراؤه سديدة، ويتعامل مع جميع الأمور بحكمة كبيرة». وتابع بقوله: «بعد وفاة عمى تفككت العائلة، ولم يعد هناك من يسد مكانه، ولا يوجد من نأخذ برأيه، ولم نتوافق على كبير بعده، وأصبح رب كل أسرة هو الكبير فى محيط أسرته». وأكد أن ما حدث مع عائلته تكرر مع العديد من العائلات الأخرى، التى تفكك معظمها تماماً، لافتاً إلى أن ذلك هو ما تسبّب فى تزايد ظاهرة تشرّد الأطفال والمسنين الذين لا يجدون من يكفلهم، إضافة إلى تزايد القضايا المنظورة أمام المحاكم، نتيجة الخلافات بين العائلات المختلفة، بل داخل الأسرة الواحدة.

الشاب الثلاثينى «محمد حسن عجور»، من أبناء الدقهلية، كان له رأى آخر، عبّر عنه بقوله: «بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعى، وبعد حالة الانفتاح الكبيرة فى المجتمع، أصبحنا لا نحتاج إلى كبير»، وضرب مثالاً على ذلك بأن طفله عندما يريد شيئاً لا يلجأ إليه ليسأله، وإنما يذهب إلى الإنترنت، وإلى أصدقائه الذين لا يعرفهم إلا من خلال التواصل عبر ذلك الفضاء الإلكترونى، كما أن زوجته إذا أرادت معرفة طريقة طهى أكلة معينة، لا تسأل أحداً من أفراد العائلة، وإنما تبحث عنها فى الإنترنت، معتبراً أن ذلك هو ما أدى إلى «ضياع مهابة الكبير، حتى إن كان موجوداً»، حسب تعبيره.

ظاهرة اختفاء دور كبير العائلة بدأت تدريجياً فى محافظة الشرقية قبل ما يقرب من 30 عاماً، حتى أصبح هذا الدور لا وجود له فى معظم المدن، وامتد هذا التراجع إلى كثير من قرى المحافظة، وحسب «أحمد حبيب»، ضابط بالمعاش وأحد القضاة العرفيين بمركز مشتول السوق: «لم يعد هناك دور لكبير العائلة بالشكل المتعارَف عليه، ويمكننى القول إن وجود كبير العائلة فى مختلف مدن المحافظة لا يتعدى 1%، بينما فى القرى لا يتجاوز 10%، والذين لهم تأثير على أفراد عائلتهم عددهم نادر جداً، مما يعنى أن دور كبير العائلة فى طريقه إلى الانقراض، إن لم يكن قد انقرض بالفعل».

وأشار «حبيب» إلى أن نحو 95% من المشكلات التى يتم حلها من خلال المجالس العرفية يكون السبب فيها إما النساء أو الشباب، وأرجع ذلك إلى أن كثيراً من الشباب لم يعد يهتم بالاستماع لمن هو أكبر منه سناً، وأصبح كل شاب يتصرّف وكأنه كبير نفسه، وقد لا يقبل برأى أحد من أسرته أو كبير عائلته، بينما يمكن أن يتقبّل رأى صديقه أو شخص آخر مقرّب منه، ولفت إلى أنه فى بعض الأحيان يلجأ بعض أطراف المشكلة إلى الاستعانة بأفراد العائلة، سواء من الشباب أو الكبار، بغرض التباهى فقط أمام الطرف الآخر.

وحول مدى تأثير كبير العائلة فى القرى رغم تناقص أعدادهم، أكد أن هناك بعض الأشخاص الذين ما زالت لديهم القدرة على السيطرة على أفراد عائلتهم، وضرب مثالاً بقوله إن أحد كبار العائلات فى إحدى القرى التابعة لمركز مشتول تمكن من احتواء مشكلة بين أفراد عائلته، كان يمكن أن تنتهى بالقتل والخراب لولا تدخله، لكنه اعتبر أن وجود مثل هذا الشخص أصبح نادراً، على عكس الدور الذى كان يقوم به كبير العائلة فى الماضى، والذى كانت لديه القدرة على التعامل مع أى مشكلة وإنهائها فى مهدها.

وقال «محمد الشريف»، موظف ومقيم بقرية «شيبة»، التابعة لمركز الزقازيق، إنه لم يعد هناك ترابط وتلاحم بين أفراد العائلة الواحدة، حتى تبادل الزيارات تراجع بشكل كبير، وأصبح كل شخص مشغولاً بحياته، فيمكن ألا يسأل الأخ عن شقيقه أو شقيقته، وتباعدت الروابط كثيراً بين أبناء العم والخال، وأصبحت المصلحة تتحكم فى كل شىء، ومن لديه المال هو من لديه النفوذ، ويمكن أن تسمع كلمته، حتى لو كان أصغر شخص فى العائلة، لكن لا يعنى هذا تدخله لحل المشاكل، وإنما الأمر يقتصر على التودّد والتقرب منه وحسب.

«صبحى حسن»، رئيس لجنة للمصالحات العرفية بالغربية، قال إن «كبير العائلة أو القرية كان له دور كبير فى فض الخلافات العائلية، أو بين أبناء القرية، لما له من قدرة كبيرة على فرض كلمته وتنفيذها»، مشيراً إلى أنه فى كثير من الجلسات العرفية حالياً، يتم أخذ شيكات وإيصالات أمانة على طرفى النزاع، لضمان التزامهم بمبادئ الجلسة، واحترام قرارها، وهذا عكس ما كان يحدث من قبل فى وجود كبير العائلة، الذى «كانت كلمته عهداً، يغنى عن 1000 إيصال أمانة». وأوضح أن انتشار الجرائم بشكل عام، والأسرية بشكل خاص، يرجع إلى انحدار الأخلاق والقيم والمبادئ، واختفاء دور كبير العائلة، حتى أصبح هناك أكثر من 100 أسرة فى العائلة الواحدة، كثيراً ما تحدث بينهم مشاكل ونزاعات قضائية.

وأضاف «حسن» أن «اختفاء القيم والمبادئ التى ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، واحترام الكبير والكلمة التى يقولها، سبب لنا معاناة كبيرة فى انعقاد الجلسات العرفية»، موضحاً أن لجنة المصالحات تعتمد فى عملها على كبار العائلات، أو كبار القرية التى تحدث فيها المشكلة. وأشار إلى أن كثيراً من النزاعات يتم حلها عن طريق لجان المصالحات العرفية، بسبب رغبة المتنازعين فى إنهاء المشاكل بينهم سريعاً، بدلاً من اللجوء للقضاء، حيث يصطدمون بالروتين، الذى قد يؤدى إلى تأجيل حسم النزاع لعدة سنوات، الأمر الذى من الممكن أن يتسبب فى تفاقم الخلافات بينهم، بينما فى الجلسات العرفية عادة ما يتم حسم النزاع من أول جلسة، ونادراً ما يتم التأجيل لظروف قد تكون خارجة عن أعضاء اللجنة.

وقال «ممدوح أحمد»، مدرس بمنطقة أسوان الأزهرية، إن دور كبير العائلة، أو ما يُسمى «شيخ القبيلة»، تراجع كثيراً فى أعقاب «ثورة 25 يناير»، مشيراً إلى أنه خلال السنوات الأخيرة تزايدت أعداد المحاضر داخل أقسام الشرطة بسبب الخلافات الأسرية. وأكد أن كثيراً من هذه الخلافات كان من اليسير حلها إذا كان هناك دور ملموس للشيوخ وكبار العائلات والقبائل، دون اللجوء إلى الأجهزة الأمنية. وهذا ما أكده أيضاً «عوض هدل»، رئيس جمعية «العبابدة والبشارية» بأسوان، وأحد كبار مشايخ «البشارية»، بقوله: «بصراحة، الشباب اللى طالع فى أوقات كثيرة لا يوقر الكبير، حتى دورنا كشيوخ قبائل أصبح فى كثير من الأحيان استشارياً فقط»، لكنه أكد أنه «فى الأمور التى تتعلق بالثأر والمشاجرات، يتدخّل الكبار وشيوخ القبائل الأخرى، حتى لا يستمر سلسال الدم بين العائلات والقبائل»، وطالب بعقد ندوات توعية للشباب، الذى أصبح يلجأ للإنترنت ويستمد معارفه من الدراما، حتى أصبح يرى فى نفسه أنه «الكبير»، وأصبح كل منهم معجباً بعقله، ولا يستمع لكلام من هم أكبر وأكثر خبرة منه.

ومن محافظة دمياط، اعتبر «عدى الألفى»، رئيس مجلس أمناء مدرسة البساتين بكفر البطيخ، أن «الترابط الأسرى ما زال موجوداً بشكل كبير بين الكثير من العائلات، خاصة فى القرى، حيث إن كبير البلد ما زالت كلمته مسموعة، ويتم حل أى مشكلة يتدخّل فيها على الفور»، فيما قال «شكرى شطا»، رئيس مجلس أمناء الإدارة التعليمية، إن الأجهزة الأمنية تحرص على الاستعانة بكبار العائلات فى كثير من القضايا، ومنها جرائم القتل والنزاعات على الأراضى، لمنع تفاقم المشكلة بين أطراف النزاع.

كما أكد «عبدالفتاح سليم»، عمدة مركز ومدينة القنطرة غرب بمحافظة الإسماعيلية، وشيخ العائلات بالمدينة، أن دور كبير العائلة ما زال يمارس داخل المجتمع الريفى، حيث يحكم ويفصل فى مختلف القضايا والمشاكل الأسرية، كما أنه ما زال يحتفظ بهيبته واحترامه، رغم ما نشهده من تطور فى مختلف أمور الحياة، وكذلك انتشار كلمة «أنا ماليش كبير»، التى أصبحت تتردّد كثيراً على ألسنة العديد من الشباب. وأضاف أن ترسيخ مفهوم كبير العائلة يتطلب جهوداً كبيرة من قِبل العائلات نفسها، من خلال التنشئة الأسرية السليمة فى المقام الأول، وتوفير بيئة اجتماعية تساعد على تعزيز الروابط بين أبناء العائلة الواحدة.


مواضيع متعلقة