جبل الرحمة والفتنة

فوق جبل عرفات سارت الخُطى الشريفة لنبى الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى إحدى صخوره وقف النبى خطيباً للمرة الأخيرة. احتل موضوع حُرمة الدم المساحة الأكبر من الخطبة التاريخية التى أسمعها النبىُّ للمسلمين، وكأنه كان يرى بعين إيمانه كيف سيتحول جبل الرحمة إلى ساحة من ساحات الفتنة، وكيف سيصبح الدم مثل الماء فى أعين بعض المنتسبين إلى الإسلام، وكيف ستصبح الرحمة حلماً بعيد المنال، وأملاً فى حياة المسلمين، يطول انتظاره ولا يجىء. من فوق جبل عرفات جاءت كلمات النبى داعيةً إلى حرمة الدماء وحرمة الاستغلال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا». حكايات التاريخ وسياق الحال يشهد بأن المسلمين لم يستوعبوا درس «عرفات»، ذلك الجبل الآسِر الذى أراد الله تعالى له أن يكون رمزاً للرحمة، فحوَّله البعض إلى رمز للفتنة.

يقول «ابن الأثير» إن «آدم» -بعد طرده من الجنة- ظل يبحث عن «حواء» أربعين سنة كاملة حتى أدركته رحمة الله ووجدها هناك فى «عرفات»، لذا كان من الطبيعى أن يوصف «عرفات» بـ«جبل الرحمة». عاش آدم على الأرض مؤرقاً بالحنين إلى الراحة، كل لحظة شقاء، أو انكسار أو انهزام تذكره بذاك الحنين، وذلك الشوق الذى لا ينقضى بالعودة إلى هناك، حيث الحياة المتدفقة السلسة الممتعة. ولست أجد -فى هذا السياق- أكثر عبقرية من الوصف الذى قدمه المبدع الكبير نجيب محفوظ، وهو يحكى قصة أدهم، ضمن حكايات «أولاد حارتنا»: يقول «نجيب» كان أدهم يقول لنفسه وهو يعيش فى حديقة البيت الكبير: «الحديقة وسكانها المغردون والماء والسماء ونفسى النشوى، هذه هى الحياة الحقة».. إنها الحياة التى تظللها الرحمة.. ولما طرده الجبلاوى من البيت الكبير، وتحول إلى «بائع خيار» كى يعيش، حدث ذات يوم أن نعس من التعب أسفل شجرة، بعد أن تشققت قدماه من السير وهو يجر العربة، فانتهز مجموعة من الأطفال فرصة نومه، وقلبوا له العربة، فاستيقظ من نومه مفزوعاً وهو يسب ويلعن، ثم انكب على الأرض يجمع البضاعة، وراح يقول بتأثر وانفعال مخاطباً الجبلاوى: «لماذا كان غضبك كالنار تحرق بلا رحمة؟ لماذا كان كبرياؤك أحب إليك من لحمك ودمك؟ وكيف تنعم بالحياة الرغيدة وأنت تعلم أننا نداس بالأقدام كالحشرات؟ والعفو واللين والتسامح ما شأنها فى بيتك الكبير؟».. إنها صرخة التعب والإحساس بقسوة الحياة التى ينساها الإنسان تماماً حينما يخلع عنه رداء الدنيا ويلبّى نداء الله فوق «عرفات».

وكما كان «عرفات» نسمة رحمة فى حياة المؤمنين، فقد بدا فى أحوال مسرح نقمة، حين أعملت فيه الفتن عملها. لم يتورع «الحجاج بن يوسف الثقفى» عن نصب المنجنيق فى ساحته، وهو يقصف الكعبة المشرفة حتى يهدها فوق رأس «ابن الزبير» وأنصاره. وفى يوم عرفة، من سنة (583 هـ)، وقعت فتنة كبرى بين المسلمين حين قُتل شمس الدين محمد بن عبدالملك، المعروف بابن المقدم بـ«عرفات»، وهو من أكبر الأمراء الصلاحية (التابعين لصلاح الدين الأيوبى). وفوق جبل عرفات ألقيت أول زجاجة مولوتوف فى تاريخ المسلمين، حين قامت فتنة بين أمير الحاج «طاشتكين» وبين الأمير «مكثر» أمير مكة، قام كثير من الحجيج فيها بنهب مكة وأخذوا من أموال التجار المقيمين بها الشىء الكثير، وأحرقوا دوراً كثيرة. ومن أعجب ما جرى فى هذه الفتنة -كما يحكى «ابن الأثير»- أن إنساناً ضرب داراً بقارورة نفط فأحرقها، وكانت لأيتام، فأحرقت ما فيها، ثم أخذ قارورة أخرى ليضرب بها مكاناً آخر، فأتاه حجر فأصاب القارورة فكسرها، فاحترق هو بها، فبقى ثلاثة أيام يُعذب بالحريق ثم مات.