«عين الصيرة».. عظام الموتى تعوم على المياه الجوفية

كتب: هشام حجى

«عين الصيرة».. عظام الموتى تعوم على المياه الجوفية

«عين الصيرة».. عظام الموتى تعوم على المياه الجوفية

مقابر عائمة على آبار من المياه الجوفية، فى منطقة عين الصيرة التى تقع بالقرب من ميدان السيدة عائشة، تكاد تنشق وتخرج ما فى جوفها من عظام الموتى، حالة من البؤس تظهر جلية على وجوه ساكنى أحواش تلك المقابر، حزناً على ما آلت إليه مدافن الموتى، وخوفاً على ما ينتظرهم بعد موتهم، فى المقابر التى يرقد بداخلها جثامين ممثلين ومطربين وكتاب كبار.

«بحيرة عين الصيرة بتغرّق المقابر ميّه، لحد ما فيه قبور أبوابها اتفتحت، وبقينا نشوف عضم الأموات عايم على وش الميه»، كلمات قالتها عبير لطفى، 42 عاماً، من سكان أحواش مقابر عين الصيرة، متابعة: «أنا اتربيت وعشت عمرى كله وسط مقابر عين الصيرة وأبويا وأمى وجزء كبير من عيلتى مدفونين هنا، ولما قبورهم غرقت ميه بسبب بحيرة عين الصيرة، التربى لم العضم فى المعضمة، ورمم المقابر من جديد».

{long_qoute_1}

معاناة مقابر عين الصيرة تمتد نحو ما يقرب من 40 سنة، على حد قول «عبير»، التى أوضحت أن منسوب المياه يزيد داخل المقابر فى فصل الشتاء تحديداً، مضيفة: «فيه مقابر حريم ورجالة الميه فتحتها على بعض، وعضمهم اختلط ودا حرام فى الشرع، لأن الرجالة والحريم لازم ينفصلوا عن بعض فى الدفن»، على حد قولها.

وتتذكر «عبير» أحد المواقف التى مرت بها قائلة: «أكتر المواقف إللى مش قادرة أنساها لما التربى كان بيدفن جثة والقبر كان مليان مية وحاول يمنع خروج الميه من باطن القبر بأسمنت ورمل بس ماجابش نتيجة، وأرضية القبر لسه بتخرّج مية، وفى الآخر دفن الجثة بالنعش لأنه ماكانش فيه حل غير دا».

على كرسى خشبى أمام ورشة تصنيع لـ«الحجر الفرعونى»، يجلس حمدى إبراهيم، 60 عاماً، من سكان شارع عين الحياة، بمنطقة عين الصيرة، ممسكاً سيجارته بين أصابعه، ويقول: «مشكلة مقابر عين الصيرة من زمان، وهى عبارة عن عين مياه جوفية، بتنبع من باطن الأرض، ويزيد منسوبها لحد ما بتغرق المقابر، لأن منسوب الأرض تحتها منخفض». بتلك الكلمات بدأ «حمدى» حديثه عن مقابر عين الصيرة، مضيفاً: «لما المية بتغرَّق القبر من جوه التربى بيلم العضم ويعلى القبر بالرمل والأسمنت عشان المية ماتوصلش للميت.

مشهد لم ينسه «حمدى» طيلة حياته، وظل خالداً فى ذاكرته على مر الأيام، عندما مر بقبر أحد أصدقائه ورأى بابه قد سقط بسبب غزارة المياه أسفله، وعظام رفيقه عائمة على سطح الماء، وقتها اضطر «حمدى» إلى التحدث مع التُربى، مضيفاً: «لمينا العضم فى جنب لحد ما علينا القبر ورممناه وبنينا باب من جديد وقفلناه كويس»، موضحاً أن صديقه ليس أول شخص يرى عظامه عائمة خارج القبر، وأن مثل هذه المشاهد تحدث مراراً وتكراراً.

وأضاف «حمدى»: «قدمنا شكاوى كتيرة فى الحى والمحافظة، والمسئولين نزلوا علوا الأرض شوية حوالين العين وبعدها بكام شهر رجعت المية تانى، وكأن شيئاً لم يكن»، لافتاً إلى أن الأهالى القاطنين حول بحيرة عين الصيرة، يتخلصون من مياه الصرف الصحى فى «العين» مما يزيد من منسوب المياه، التى تمشى مسافة الكيلومتر وسط المقابر.

«فيه ناس كتير بتروح تدفن فى مقابر الصدقة فى أى منطقة بعيدة عن عين الصيرة، عشان المية كلت المقابر»، بتلك الكلمات توضح «أم أشرف»، 35 عاماً، التى افترشت الأرض أمام «عشتها» الخشبية لتنظيف أوانى الطهى بالمياه النابعة من بحيرة عين الصيرة، حال مقابر عين الصيرة، متابعة: «المية دخلت فى البيوت مش المقابر بس، والتعابين والعقارب بتيجى مع المية لحد ما فى يوم التعبان كان هيقرص ابنى وهو نايم لولا ستر ربنا وشُفته».


مواضيع متعلقة