اللواء مختار قنديل: انتظرنا ساعة الصفر 6 سنوات تحت الأرض

اللواء مختار قنديل: انتظرنا ساعة الصفر 6 سنوات تحت الأرض
أمام بوابة «بانوراما حرب أكتوبر» بمدينة نصر استقبله ضباط القوات المسلحة استقبالاً حافلاً «يليق بمقامه»، إدراكاً منهم لقيمته العسكرية التى لا تجود بمثلها الأيام كثيراً على حد قولهم. فى إحدى القاعات الفخمة جلس اللواء مختار قنديل، أحد أبطال سلاح المهندسين فى حرب أكتوبر، منتظراً توجيه الأسئلة التى يعرف مسبقاً أنها ستدور فى فلك حرب أكتوبر وكواليسها التى يحفظها عن ظهر قلب.
يعشق الرجل كل حديث عن انتصار أكتوبر، يتحدث عنه بحماس شديد رغم تقدم عمره الذى قارب السبعين، ويبدو أنه نال من عافيته وشبابه إلى حد ما، لكن أثره لم يمتد إلى الذاكرة الحديدية التى يتمتع بها بطل أكتوبر الذى كان يفضّل استكمال مسيرته الأكاديمية فى كلية الهندسة عقب تخرجه منها، خصوصاً أنه حصل على الدرجات العليا، وكان من أوائل الدفعة، لكن ظروف الصراع العربى الإسرائيلى قادته للالتحاق بالجيش فى منتصف ستينات القرن الماضى لينضم إلى سلاح المهندسين بالقوات المسلحة ويشارك فى تحقيق انتصار أكتوبر 1973.
انتقل قنديل من قيادة الجيش الثانى إلى المنطقة المركزية بالقاهرة برتبة رائد عقب هزيمة يونيو 67: «بعد ما اتهزمنا بدأنا نجهز نفسنا عشان نعبر القنال، وطبعاً دا ماكانش سهل، تدربنا على إقامة الكبارى وعبورها فى النيل والريّاح البحرى إضافة إلى أحد فروع القناة بمنطقة الملاحة؛ حيث كانت تسيطر عليها مصر بعد 67، فى البداية تدربنا بمفردنا حتى انضمت إلينا الأسلحة المشتركة للتدريب على كيفية عبور الدبابات والمدرعات من فوق الكوبرى العائم، كان فيه سواقين بيخافوا فى البداية نتيجة قلة الخبرة، وأول مرة يمشوا فيها على الكبارى، دى كانت الدبابات تغرق فى المياه قبل أن ننقذها».
ويضيف اللواء قنديل أن «كثرة التدريبات ساعدت على عدم غرق أى دبابة أو مدرعة فى مياه قناة السويس أثناء العبور فى حرب أكتوبر. كان عمرى حينها 25 عاماً فقط، وكنت متزوجاً ولدى طفل، قلت لزوجتى: لا تقلقى لو أعطونا إجازة سأعود لكم سريعاً».
وبنبرة حزينة ممزوجة بالفخر، يواصل بطل أكتوبر حديثه قائلاً: «انتظرنا 6 سنوات تحت الأرض فى الملاجئ دون تكييف أو مروحة أو كهرباء أو تليفون محمول، كان التليفون المنفلّة هو وسيلة الاتصال الوحيدة بنا، وكنا نقف بالطابور للاتصال والاطمئنان على ذوينا من خلاله، كانت الحياة شاقة جداً إلى أبعد حد».
ويتابع: «قبل الحرب بأيام كانت كل الشواهد تشير إلى اقتراب موعد الحرب لكننا لم نعرف ساعة الصفر إلا صباح يوم 6 أكتوبر، وتأكد ذلك بعبور طائرات الضربة الجوية. كان الاحتلال هماً ثقيلاً على نفوسنا، كنا عاوزين نخلص منه ونطهّر بلدنا لأن اليهود أخذوا سيناء بنصر رخيص».
ويواصل اللواء قنديل حديثه قائلاً: «أثناء العبور كنت أجلس على شاطئ القنال ورأيت بعينى أسراب الطائرات وهى تعبر القناة لاستهداف مواقع العدو، بعدها قامت المدفعية المصرية بعمل تمهيد نيرانى استمر 53 دقيقة، ثم انطلقت أكثر من 7 موجات من القوارب المطاطية المحمّلة بجنود المشاة والصاعقة إلى الشاطئ الشرقى من القناة، تبعه عبور جنود المشاة عبر 7 موجات بالقوارب المطاطية».
ويصمت قليلاً ثم يكمل: «أثناء تولى الفريق سعد الدين الشاذلى قيادة أركان القوات المسلحة كان يُصدر توجيهاته لتوزيع الأدوار على كل الضباط والأفراد ليعرف كل فرد مهمته بشكل دقيق، حيث حملت إحدى موجات القوارب المطاطية طلمبات المياه النفاثة لفتح ثغرة فى جسم خط بارليف، وبالفعل حدثت المعجزة وأحدثنا ثقوباً كبيرة فيه، وقمنا ببناء الكبارى بطول قناة السويس فى 6 ساعات وانتهينا منها فى تمام العاشرة مساء، ثم بدأت الدبابات فى العبور».
ويتابع اللواء قنديل: «رغم أنه كان يوجد تسلسل معروف للعبور إلى شرق القناة إلا أن معظم الأسلحة كانت تتسابق للقتال ونيل الشهادة ومحاربة العدو الصهيونى؛ حيث تراصت الطوابير خلف الكبارى، قبل الهجوم كنا قد حددنا بعض أماكن الألغام الإسرائيلية بعد أن حصلنا على بعضها من خلال إرسال أفراد بشكل سرى إلى المناطق المحتلة لمعرفة كيفية إبطال مفعولها، ومع ذلك استشهد عدد كبير من الجنود والضباط بسبب تلك الألغام التى كانت تضعها إسرائيل حول مواقعها الحصينة».
ويقول اللواء مختار قنديل بشىء من الحزن: «عندما توليت إدارة جهاز تعمير سيناء أواخر تسعينات القرن الماضى أنشأت طريق «رفح - القسيمة» بوسط سيناء على الحدود الدولية، وكنت أرى بعين الحسرة المستوطنات الإسرائيلية الخضراء المجاورة لحدودنا فى صحراء النقب، وكان ما يحزننى أن أرى سيناء خرابة»، وهو ما يرجعه بطل حرب أكتوبر إلى ضعف الإمكانيات: «لو سألت عبدالناصر أو السادات تعمر سيناء وتبنى فيها ولا تأكّل الشعب طبعاً هيقولك الناس تاكل الأول». ويتابع: «بنيت بيوتاً وسط سيناء لتسكين البدو لكنها الآن خرابة كبيرة لا يسكنها أحد، سيناء بها مقومات اقتصادية كبيرة لكنها تحتاج إلى آبار ارتوازية كثيرة للزراعة».
ويختتم اللواء قنديل حديثه عن سيناء بقوله: «هناك جهات خارجية تريد إضعاف الجيش المصرى وتحاول استهدافه بالعمليات الإرهابية المنظمة، وما يتردد عن وجود انشقاقات داخل الجيش بعد التوترات السياسية الأخيرة محض خيال وافتراءات لأن عقيدة الجيش ثابتة تقوم على احترام القيادات، وأتذكر واقعة طريفة حدثت قبل 40 عاماً، وهى تقديم أحد زملائى التحية العسكرية لصورة المشير عبدالحكيم عامر عندما دخل إلى مكتبى، وسألته مستنكراً: هل تعطى التحية إلى صورة، فقال: لا، بل أعطيها لرتبة المشير وهذا يكفى، لو حدث خلاف لا بد من معالجته بالمصارحة أولاً، لذلك لن تحدث أى انشقاقات أو تمرد فى الجيش كما حدث فى سوريا، وهو الوضع الذى يحلم به تنظيم الإخوان دون مراعاة الصالح العام للبلد، وأنا لست ضدهم لكنى أنصحهم بالعودة إلى صحيح الدين والدعوة إلى الله بالحسنى».