الجائزة الكبرى

منذ فتحها على يد عمرو بن العاص وهى تمثل الدجاجة التى تبيض ذهباً للخلافة. الطمع فى مصر كان واضحاً، وكشف عنه ذلك الخلاف الشهير الذى نشب بين عمرو وعثمان بن عفان حول حجم الأموال التى يتم تحصيلها من المصريين. أقال «عثمان» عمرو بن العاص وولّى مصر لعبدالله بن أبى سرح. وتمكّن الوالى الجديد من جمع 12 مليون دينار من مصر بالجباية. وهو مبلغ أعجب الخليفة الثالث أيما إعجاب، ما دعاه إلى القول لعمرو بن العاص فى لقاء جمع بينهما: «درّت اللقاح من بعدك»، فردّ عليه الأخير: «ذاك إن يتم يضر بالفصلان». لم يكن «عمرو» بأقل طمعاً فى مصر من «ابن أبى سرح»، لكنه كان أكثر حنكة منه، وأقدر فى السياسة، ويعلم أن العرب الجباة إذا تمكنوا من حصد هذا المبلغ الكبير فى عام فسيعجزون فى العام التالى عن جمع دينار واحد، لأن الأهالى لن تملك ما تعطيه. وليس أدل على طمع «ابن العاص» من أنه ظل يطارد معاوية بن أبى سفيان حتى أرسله إلى مصر لينتزعها من أيدى ولاة على بن أبى طالب.

كان أسلوب النهب الممنهج للمصريين سبباً أساسياً من أسباب ثورتهم على عثمان. ولم يكن مبلغ الـ12 مليون دينار التى تم جمعها بالمبلغ العادى. فحجمه يدل على أن «ابن أبى سرح» امتص دماءهم تماماً. والدليل على ذلك أن خراج مصر استقر أيام معاوية على مبلغ (3 ملايين دينار). وكان هذا المبلغ يقترب من إجمالى الخراج الذى يجمعه الخليفة الأموى من كافة الأمصار التى خضعت للعرب الفاتحين. اعتبر «عرب الجزيرة» مصر «الجائزة الكبرى» التى حرص الجميع عليها بسبب الخير الوفير الذى كانت تدره على دولة الخلافة.

المسألة لم تتعلق فقط بالمال الذى يتم حصده، بل بالمكانة التى يحظى بها والى مصر أيضاً، فلم يكن منصب ولاية مصر يقل خطراً أو قيمة عن منصب الخليفة ذاته. يشهد على ذلك قصة خلع عبدالملك بن مروان لأخيه عبدالعزيز من ولاية عهده، وكان عبدالعزيز حينذاك والياً على مصر. أرسل «الحجاج» إلى «الشعبى» فحضر إليه وحدّثه فى الأمر وطلب منه أن يزيّن المسألة لعبدالعزيز. ويحكى «الشعبى» أنه أتى عبدالعزيز فقال له: «والله، أصلح الله الأمير، إن رأيت ملكاً أكمل، ولا نعمة أنضر، ولا عزاً أتمّ مما أنت ﻓﻴﻪ، ولقد رأيت عبدالملك طويل النصب، كثير التعب، قليل الراحة، دائم الروعة، إلى ما يتحمل من أمر الأمة، ولوددت والله أنهم أجابوك إلى أن يصيّروا مصر لك طعمة، ويصيّروا عهدهم إلى من أحبوا، فقال: ومن لى بذلك؟ فلما عرفت ما عنده انصرفت إلى عبدالملك فأخبرته الخبر، فخلع عبدالملك أخاه من ولاية العهد وولى ابنه الوليد، ثم ابنه سليمان من بعد الوليد». كذلك كانت مصر دائماً جائزة كبرى للطامعين فيها، وبالنسبة لواليها ملكاً يغنيه عن الخلافة.