هل أنقذت «سيناء 2018» غزة من ضربة إسرائيلية؟

خالد عكاشة

خالد عكاشة

كاتب صحفي

الثلاثاء الماضى، قبل أيام من الإعلان عن انطلاق العملية العسكرية الأمنية «سيناء 2018» كتبت رداً على تقرير الـ«نيويوك تايمز» الذى ادعى مشاركة القوات الجوية الإسرائيلية فى الحرب على الإرهاب بسيناء. حاولت بجهد متواضع أن أفنّد كذب هذا التقرير الصحفى بما أمتلكه من معلومات ومصادر بحثية، وببعض المعادلات المنطقية التى صاغتها طبيعة عمليات مكافحة الإرهاب على أرض سيناء.

صدر مؤخراً نفى مصرى رسمى على لسان المتحدث العسكرى للقوات المسلحة، فى إجابات لوكالة أنباء روسية عن هذا الأمر. لكن سرعان ما وجد التقرير بعض المنصات الإعلامية الأخرى التى بدأت تأخذ عنه، إما بتكرار ما جاء به على اعتبار كونه حقيقة فعلية، أو ضمن سياقات طرح التساؤلات. وفى الصلب من كليهما ظل التناول يجرى باعتباره يلقى الضوء على شكل من التعاون المصرى الإسرائيلى، وهو أمر مرحب به فى الدوائر الأمريكية والإسرائيلية، وتحرص دوماً على المبالغة فيه من زاوية كثافة الترويج، أو من خلال تمرير بعض الوقائع غير الحقيقية. المتابعون لهذا الملف أو لتلك الكتابات يعلمون تماماً هذا النسق، ويتمكنون عادة بسهولة من «غربلة» ما يتم نشره، لكن هذه المرة بدت الواقعة مركزة وموجهة إلى هدف بعينه، لذلك فعلياً لم يكن لدىّ الرغبة فى التوقف عند حدود النفى، فلم يشفِ غليل فهمى على الأقل مجرد الإمساك بـ«كذبة» بقدر ما انفتحت أمامى هواجس عدة، فمُطلِق هذه «الكذبة» المدوية الثقيلة يعلم يقيناً أنها غير حقيقية، ويعرف تماماً المسار الإعلامى والاستثمار الذى ستسلكه للوصول إلى القدر المتوقع من الرأى العام. هنا يصبح السؤال الحتمى: لماذا الخوض فى تلك المنطقة الشائكة، ولماذا يراد إشغال مصر الآن بالدفاع عن نفسها، ما المستهدف الحقيقى من ذلك؟

على الجانب الآخر من الحدود، فى تخوم المنطقة الجغرافية التى استهدفها التقرير، بدا لى الأمر كقنبلة دخان كثيف ستحمل لنا بمجرد انقشاعه مشهداً أشد وطأة من مجرد إطلاق أكاذيب صحفية. وأظن أن ما وقفت عليه داخل هذا الجانب من قطاع غزة حمل إلىّ ما أمكنه أن يشكل بعضاً من الإجابات عن خطوات وخطط الإطلاق لتلك القذائف التى لم يكن لها ما يبررها فى حينه. طوال يومَى الثلاثاء والأربعاء من الأسبوع الماضى كان هناك لدى بعض المعنيين فى قطاع غزة حديث خافت عن ضربة إسرائيلية «وشيكة» يتشممون رائحتها فى سماء القطاع دون أن يملكوا موعداً لها، رغم علمهم بلائحة أهدافها. شملت فى بعض بنودها عدداً من قيادات حركتَى «حماس» و«الجهاد»، لدى إسرائيل رغبة محددة بالاسم فى إزاحتهم عن المشهد، ولكل منهم المبررات الخاصة به. طهران و«حزب الله» حاضران فى صلب تلك المبررات، وإعادة صياغة معادلة الارتباط بهما فى القطاع، هناك قرار إسرائيلى بقطع الطريق عليه بحسم الاغتيال. هذا ليس الوحيد على اللائحة، فهناك ضربة تشتيت لكافة جهود المصالحة الفلسطينية لن تحققها سوى ضربة عسكرية تخلط الأوراق بعنف وتدفع جميع الفصائل للانكفاء على إنقاذ مواقع أقدامهم.

يبقى الهدف الأخير والعميق متمثلاً فى ضرب القدرات الفلسطينية وإزاحتها أمتاراً إلى الخلف لتسكن مؤقتاً فى دائرة إزالة آثار ضربة عسكرية خُطط لها أن تدمر نطاقاً واسعاً من بنية الحياة الهشة لدى السكان المرهقين بالأصل، فضلاً عن تحطيم مؤثر لقدرات التسليح وأنفاق المقاومة بـ«شمال القطاع»، فتعمق أزمته، وتوفر هذه الفسحة الزمنية التى تحتاجها إسرائيل للتعامل مع الشمال الذى لم تصل بعد لحلول معادلاته، لا فى سوريا ولا فى لبنان.

شهد الخميس حدثين لافتين، الوصول المفاجئ لإسماعيل هنية والوفد المصغر من قيادات «حماس» للقاهرة، فى الوقت الذى شهدت فيه مدينة غزة خروج المواطنين للاحتجاج على تردى الأحوال المعيشية جرّاء الحصار الإسرائيلى وانسداد الأفق السياسى، مع التعثر والتباطؤ غير المفهوم شعبياً فى ملف المصالحة المراوغة.

فجر الجمعة، استيقظ الإقليم على الإعلان المصرى عن العملية العسكرية الشاملة «سيناء 2018». حددت العملية هدفها الرئيسى فى محاربة الإرهاب، لكن ملمحاً هاماً بدا من اللحظة الأولى لا يمكن إغفاله، وهو الشكل العسكرى الذى خرجت به المشاهد المصورة فى بيان الإطلاق الأول. اختصاراً كافة التفاصيل التى وردت فيما يخص الأسلحة المشاركة وحجمها ونوعيتها كانت أقرب لمناورة عسكرية مكبرة أرادت مصر تنفيذها، ليس على هامش الحرب على الإرهاب، بل فى القلب من تلك الحرب. التمرين العسكرى الأمنى المشترك، ربما القوات المصرية لأول مرة تخرج لتؤديه بهذه الصورة، ووفق تلك المهام العملية فى الوقت ذاته.

السؤال: متى تحتاج الدولة، أى دولة، لإجراء مناورة عسكرية؟ الإجابة ستكون مباشرة عندما يصل المسرح الإقليمى للمناورة إلى مراحل حرجة تستلزم التدخل السريع فيما قبل تداعى هذا الحرج بغرض إجهاضه وإعادة ترسيم آفاق جديدة من خلال ضبط مسارات الغير على بوصلة ومعطيات الطرف القائم بالمناورة، فخلالها يقاس الكثير من موازين القوة.

آخر السيناريوهات التى ترغب مصر فى مواجهتها، فى لحظة الإقليم الراهنة، هو العمل العسكرى تجاه قطاع غزة، فهذا ضاغط على معادلتها الأمنية بالقدر الذى يستلزم مواجهته قبل وقوعه. والمغامرات الإسرائيلية تستطيع مصر الآن لجمها بما تملكه من أدوات متنوعة، نفذت البعض منه سياسياً فى الأمم المتحدة بحق قرار القدس، واليوم هى تتعامل بأدوات أخرى ليست الأخيرة فى جعبتها، ولكنها الملائمة حتى الآن لما قدّرته من تهديد.

الإقليم يمر بلحظة اختناق بادية للعيان، والتقديرات المصرية ترى خلطاً خشناً لأوراق يمكن أن يصيبها بعض من شظاياها، قد لا يكون الأمر قاصراً على إسرائيل وقطاع غزة، المغامرات التركية هى الأخرى وصلت لمراحل متقدمة بشرق المتوسط، وهوس التحرش بمشروعات الغاز يلزمه جاهزية ووجود فعال، تحققه مثل تلك المناورات العسكرية ذات المهام الشاملة، بما تحمله من رسائل بعلم الوصول.