الإسكندرية.. ملاذ العاشقين
- أم كلثوم
- الرمال البيضاء
- شهر العسل
- صلة الرحم
- على بشر
- عمارة سكنية
- فيلم رعب
- قصة شعر
- مايكل جاكسون
- محطة الرمل
- حسام داغر
- الإسكندرية
- أم كلثوم
- الرمال البيضاء
- شهر العسل
- صلة الرحم
- على بشر
- عمارة سكنية
- فيلم رعب
- قصة شعر
- مايكل جاكسون
- محطة الرمل
- حسام داغر
- الإسكندرية
كل فرد منا يحمل ما يستطيع حمله للذهاب مشياً إلى البحر.. كراسي البحر الخشبية والشماسي والعوامات، الأكل وكولمان الماء، كنا نمشي مسافة لا تتعدى الـ ١٠٠ متر من فيلا خالتي في العجمي بشاطيء شهر العسل على الرمال البيضاء، لنصل البحر منطلقين إلى آخر اليوم، ونأكل كل الساندوتشات ومع ذلك نعود جائعين للبيت، لنجد خالتي وأمي قد أعدتا الطعام، وجلستا تتحدثان عن العائلة ومصائر الأقرباء وأين أصبحوا.
لا زلت أذكر ألوان ملابسهم الصيفية الزاهية وقصة شعر كل منهما، كانتا تشبهان إحداهما الأخرى وكأنها نفس الشخصية ولكن في مراحل عمرية مختلفة.. كنت أجلس أراقبهم بحب وأنا أتناول طعامي وأنتظر عودة ابن خالتي الشاب آنذاك، ليأخذني معه للخارج مع أصدقائه.. كان يوجد مطعم ومبي الشهير على أول الشارع، وكان ابن خالتي في أوائل العشرينات يستمع إلى موسيقى مايكل جاكسون وجورج مايكل.
لا زالت موسيقى هذه الفترة تشكل جزء كبيرا من وجداني، وأذكر رؤيتي لأصدقاء ابن خالتي متكئين على عرباتهم مثل الجولف القديمة وأصوات الموسيقى منطلقة منها.. إنهم شباب هذه المرحلة، وكنت أتمنى أن يجري بي العمر لأصبح صديقهم وأعاصر نفس فترتهم.. إنها الإسكندرية في العجمي فتره الثمانينات.
كنت صغيرا مندفعا أقضي أغلب الإجازه مع أقربائي في فترة كانت الأسر فيها متماسكة محتفظة بصلة الرحم، لكن مع تغير الوقت أصبحت هذه الظواهر نادرة، ولكني مع ذلك أحب الاتصال بخالتي للاطمئنان عليها وقد شارفت على الثمانينات الآن.
أحب طريقتها في الكلام واهتمامها بتحضير العشاء لي، كانت تقول على الجبنة الرومي "جبنة تركي"، وتقوم هي بعمل المربى في البيت وإحضارها لي.. يااااه.. عشنا فترة كل عام في هذه الفيلا، التي هدمت فيما بعد لتتحول لعمارة سكنية كسائر منطقة العجمي التي كانت شهيرة بالفيلات البيضاء كرمالها.
أذكر مرة أنه حدثت نوة، وكنت أحب أن أذهب لتأجير الأفلام الفيديو من محل بجوارهم، وكانت تلك متعتي المفضلة آنذاك، ووقع اختياري علي فيلم رعب أجنبي يسمى الكتاب الملعون، وعدنا جميعا وأحضرنا الفيشار والسوداني والعصائر، وجلسنا بعد ان وضعنا المراتب على الأرض لمشاهدة الفيلم.. ووسط صرخاتنا في أثناء المشاهدة، تأتي خالتي وتنظر إلينا وصوت الرعد بالخارج والبرق يضرب الأرض، وتحذرنا من الخروج من الفيلا والذهاب تجاه البحر، لأن "بحر الإسكندرية يأخد كل فترة عريس، وإنه يبحث عن ضالته هذه الأيام".. ما زلت أذكر كلماتها هذه كلما أذهب للبحر في الشتاء بالإسكندرية.
شتاء الإسكندرية العظيم مدينة الحب والسحر.. مجرد الوصول للإسكندرية في الشتاء يجعلني أنسى وأشفى من كل أمراضي.. النظر إلى البحر والمشي تحت المطر يطهرني من الهم ويجعلني في حالة من السعادة تنعكس بالتالي على بشرتي، فكل أصدقائي يقولون لي ذلك "إن حالتي النفسية تنعكس بشدة على وجهي في التو واللحظة فتجدني ملامحي مضيئة كأني جسم مشع، وتجدني ضاحكاً متفائلا بشكل ملفت".. ما السر وراء هذة المدينة؟ لا بد أن الإسكندر الاكبر حين مر بها كان يشعر بالحب تجاه شخص ما ونشر هذة الطاقة في المدينة التي حملت اسمه وأمر ببناءها لتصبح ملاذ العاشقين.. إسكندرية وقطرات المطر تتناثر على وجهك، وشوارعها الصاعدة الهابطة وشعبها الضحوك وأكلها المميز.. ماذا أقول؟ حتي أمي دوماً تحدثني عن شبابها بالمدينة وطفولتها، وتتذكر منزلهم بمنطقة بولكلي قديما، والقصر المجاور لهم، وكيف أنها تتذكر الخدم سمر اللون موحدي الزي، والهانم الجالسة دوما بالحديقة ومراقبتها لها، وذكريات والدتي عن ترام إسكندرية ومحطة الرمل وديليس والإبراهيمية والميني جيب، ومع ذلك لم تسمع عن معاكسات بذيئة أو تشعر بأي نفور في الشارع.
ماذا حدث للشخصية المصرية؟ أين ذهب جمهور أم كلثوم الجالس بمنتهى الرقي للاستماع لها؟ تقول أمي إن جدي كان يسافر كل شهر للقاهرة لحضور حفل أم كلثوم كعادة مقدسة، ويعود منها محملاً بالحب.. يا ليتني عشت في مصر في فترة الستينات.. أحب الإسكندرية وخاصة منطقة جليم.. وفي أثناء زيارتي لقصر المجوهرات الملكية هناك شاهدت بروش الأميرة فوزية الشهير الذي كانت دوما تظهر به في صورها، والتي كنت أحب دوما النظر إليها، فهي كانت جميلة الأميرات وأميرة الجميلات كما كان يطلق عليها، وقررت المرور بقصر الأميرة فوزية شخصيا، الذي يقع بجوار قصر المجوهرات بخطوات، وأحدث نفسي بأن السيدة التي كانت امبراطورة إيران تسكن هنا مفضلة الهدوء والبقاء في المدينة التي أسرت قلبها مثلما أسرت قلبي، ظلت بها إلى أن توفاها الله منذ عامين فقط عن عمر يناهز الـ ٩٥ عاما، رافضة الخروج من مصر مثل بقية أسرتها الملكية بعد ثورة ٥٢.
إسكندرية الساحرة.. ستظلين ملاذي وملجأي ومصدر قوتي وشفائي، وأعتقد أني سأقابل حبي الأبدي بها.. لأنها مدينة قامت على الحب.
وللحديث بقية..
À toute à l'heure