عباس شومان: حب الظهور وبريق الشهرة أسباب فوضي الفتاوي

عباس شومان: حب الظهور وبريق الشهرة أسباب فوضي الفتاوي
- أصول الدين
- أطراف النزاع
- ابن القيم
- الأحكام الشرعية
- الأدلة الشرعية
- الأمة الإسلامية
- الحلال والحرام
- العنف والتطرف
- آثار
- أبناء الوطن
- أصول الدين
- أطراف النزاع
- ابن القيم
- الأحكام الشرعية
- الأدلة الشرعية
- الأمة الإسلامية
- الحلال والحرام
- العنف والتطرف
- آثار
- أبناء الوطن
قدم د.عباس شومان وكيل شيخ الأزهر بحث للأمانة العام لدور وهيئات الفتوي في العالم برئاسة الدكتور شوقي علام حول "الإفتاء وتحقيق السلم المجتمعي".
وقال "شومان" في نص البحث : الإفتاء أحد أهم الوسائل لنشر وتبليغ الأحكام الشرعية التي تنضبط بها حركة الحياة، ذلك أن الفتوى في طبيعتها وأصلها ما هي إلا بيان لحكم الله في الواقع، فهي بذلك قيام بأمر نسبه الله عز وجل لنفسه، فكما يظهر من النص القرآني السابق أن الله تعالى تولى بنفسه الإفتاء وبيان الأحكام، وكذلك تولى الإفتاء نبينا صلى الله عليه وسلـم فكان المسلمون يسألونهويفتيهم، ثم تولاها العلماء الذين هم ورثة الأنبياء بعد الرسول ، ولما كانت الفتوى بمثابة إخبار عن الله ، أو عن رسوله بأن أمرًا ما يحلُّ أو يحرُم فقد عظَّمَ ربُّ العالمين أمرها، وجعل إطلاق الأحكام بالحل والحرمة دون دليل أو برهان من الكذب على، وأنزل الله تعالى الذين يفتون دون دليل، ويتقلولون دون علم، ويتجرؤون على الأحكام دون بينة أنزلهم بجوار أكبر فِرْيَة، وأعظم جُرْم، وهو أن يشرك الإنسان مع ربه أحدًا، فقال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾، كما شدد النبي في أمر الفُتْيَا، فقال (مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنِ اسْتَشَارَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رُشْدٍ فَقَدْ خَانَهُ، وَمَنْ أَفْتَى فُتْيَا بِغَيْرِ تَثَبُّتٍ فَإِنَّ إِثْمَهَا عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ)
وأضاف: منصب الإفتاء من أَجَلِّ المواقع، فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته، وأن يتأهب له أُهْبَتَهُ، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه. يقول ابن القيم: "وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنْكَر فضله ولا يُجْهَل قدره وهو من أعلى المراتب السَّنِيَّات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات "، ولما كانت الفتوى بهذه المكانة والمنزلة فقد توقف كثير من أهل الفضل والعلم عن الإفتاء، وعلى رأس هؤلاء سيد النبيين والمفتين رسولنا، فقد كان نبينا إن سئل عن شيء لا يعلمه قال: "لا أدري"، وقد سار الصحابة من بعد النبي على منهجه، والذين خلَّفَهم الرسولُ بعد وفاتِهِ زمرةٌ صالحةٌ مؤمنة، قامَتْ على أمرِ الدِّين والشَّريعة؛ دعوة وجهادًا وتعليمًا، ولم تَأْلُ جهدًا في أيِّ مجالٍ من المجالات إلا برزت فيه وظهَرَتْ، فالصّحابة هم أعلمُ النّاس بالحلال والحرام بعد النّبيّ ، وهم أتقى الخلقِ وأخشاهم لله تعالى، وأحرصُهم على تعليم النّاس ما يحبّه اللهُ ويرضاه، ائتمنهم على دينِهِ وشرعِهِ، فكما أنّهم سادةُ الأمّة وأئمتُها وقادتُها فهم ساداتُ المفتين والعلماء المتّقين، ورغم علو كعبهم في العلم إلا أنهم كانوا يهابون الفتوى؛ لأنهم يعلمون أن الفتوى توقيع عن الله تعالى، وقد نقلت لنا الكتب حالهم إزاء هذه القضية.
وأشار "شومان" إلي إن الواقع الذي تشهده البلاد من تصدُّر رجال بل تيارات تنظر لفتاوى توجد انقسامات بغيضة بين أبناء الوطن الواحد، وتُؤَصِّل لثقافة الكراهية والعنف والتطرف، وتؤكد فكر الإقصاء والمفاصلة، فتساهل الناس في الإفتاء من أكثر من ناحية، تساهلوا من ناحية إصدارها، وتساهلوا من ناحية تَلَقِّيها، فلئن كان البعض يتصدى للفتوى وليس من أهلها، فإن المستفتي لا بد أن يبحث عن ثقة يستفتيه، ولقد حذر النبي من سؤال غير المتخصصين، فقال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا).
وتابع: أخطرُ أنواعِ الفُتيا، إصدارُ أحكام وآراء تعسفيَّة يترتبُ عليها شقُّ الصفوف، وتمزيقُ الوحدة، وإضعافُ الدعوةِ، وتبديدُ الجُهد، وسَوْقُ الأمة إلى مزالقَ خطرة، فترى البعض يُحلِّلُ ويحرِّم، ويُصوِّبُ ويُخطِّئ، ويُحسِّنُ ويُقبِّح، ويجعلُ الخوضَ في قضيةٍ من القضايا حقًّا خالصًا لـه وحده، لا يزاحمه فيه غيره، فيُغفلُ الرأَي الآخر، ويتّهمُه بالقصور، ويقذفُ صاحبهَ بالبلادة ويرميهِ بالجهل، ويصفه بالإثارةِ وحبِّ الظهورِ، وربمَّا رماهُ بالعمالةِ والخيانة، بل قد يتجرأ البعض فيتطاول على المؤسسة الرسمية ويصادر على عملها ومهامها، إعجابًا بالرأي واتباعًا للهوى، دون نظر لمعقولية الخلاف في بعض المسائل.
وحول أسباب التساهل في الفتوي قال "شومان": حب الظهور وبريق الشهرة، وهو من أكبر الأسباب التي تدعو المتصدرين إلى إصدار الفتاوى بلا ضابط، فصاحب الفتاوى المتساهلة تزداد شعبيته، وتكثر جماهيره، ويُثْنَى عليه بأنه معتدل، وأنه يمثل المنهج الوسطي ... وغير ذلك من العبارات البراقة، بينما صاحب الفتوى المستندة إلى الأدلة الشرعية يوصف بأنه متشدد، وأنه لا يعرف إلا لغة التحريم، وأنه يشق على الناس ويثقل عليهم، والجهل وعدم دراسة الأحكام الشرعية دراسة منهجية مؤصلة: وإنما الاعتماد على الثقافة العامة، والدراسة السطحية للمسائل، وعدم استشعار مسؤولية الفتوى وما يترتب عليها، فَيُسْأَل بعضهم عن مسألة معينة، ويشاهده الملايين من البشر، ومع ذلك يجيب مباشرة ولو عرضت مسألته على عمر رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر، والعجلة وعدم التأني والنظر والتأمل، فبعض المفتين يُسأَلُ عن أربع، أو خمس مسائل دفعة واحدة، ثم يجيب إجابة سريعة، دون تَثَبُّت، وإرضاء التيار أو الجماعة أو الحزب، أو الدفاع عن فكر، وذلك لأجل الحصول على شيء من متاع الدنيا وحطامها الفاني، إما منصب، أو مال، أو غير ذلك، وهذا حال علماء السوء، قال تعالى: ﴿يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ﴾.
وتابع: ينبغي أن تنطلق الفتاوى لتراعي هذه الجوانب، فإذا ما تصادمت الفتاوى مع أصول الدين ومقاصده، وإذا أدت إلى شقاق أو نزاع أو فرقة فلا شك أن الفتاوى حينئذ تتناقض مع السلم المجتمعي، وإذا كانت الفتاوى المنضبطة تعد صمَّام أمان للمجتمع بما تطرحه من رأي فقهي موثق، فإنها –أي الفتاوى- قد تكون معوقًا ومهددًا للسلم الاجتماعي إذا ما شَابَهَا عَوَارٌ أو قصور، ومن أهم الانحرافات التي تشوب الفتاوى أن تصدر فتاوى في القضايا المهمة التي تتعلق بمصير الأمة الإسلامية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، وفي قضايا التخلف، والتبعية، والتنمية، والاستعمار. فمثل هذه القضايا المصيرية لا ينبغي إصدار فتاوى فردية، بل تحتاج إلى المؤتمرات، أو الندوات التخصصية التي تدرس الموضوع من كل جوانبه، كذلك تصدر الفتاوى غير مبنية على النصوص الواردة بشأنها، أو مبنية على نصوص يتم تأويلها أو لَيّ أعناقها للوصول إلى فتوى معينة، واعتماد الفتاوى المتشددة التي تنفر الناس، ولا تبشر، وتعسر عليهم ولا تيسر، والتسرع في إصدار الفتاوى لصالح طرف دون استماع لكل أطراف النزاع، وتُسَيَّس الفتاوى، بحيث تصدر لصالح اتجاه معين أو تيار سياسي ما، وهذا الانحراف في الفتوى له آثاره الخطيرة على الفرد والمجتمع، ففضلًا عن إثارة بلبلة وحيرة بين صفوف الناس، فإنه يؤثر على هيبة العلماء واحترامهم بين الناس، بل ويدع مجالًا للتشكيك في قدراتهم أو نزاهتهم، ما يزيد المفاصلة بين العلماء الموثوق بهم، والذين ائتمنهم رب العالمين على الوحي لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ، وبين الناس.