طعام الموتى
- التراث الإسلامى
- الثانوية العامة
- الخارجية المصرية
- الرأى العام
- الرئيس عبدالناصر
- ترديد الشائعات
- كتب التراث
- مستوى الدخل
- نشر المعلومات
- أحداث
- التراث الإسلامى
- الثانوية العامة
- الخارجية المصرية
- الرأى العام
- الرئيس عبدالناصر
- ترديد الشائعات
- كتب التراث
- مستوى الدخل
- نشر المعلومات
- أحداث
طالما أصبح موضوع أكل الرئيس عبدالناصر قضية تثير الجدل على النحو الذى نشاهده، لماذا لا تخرج علينا وزارة الخارجية وتحسم الأمر وتجيب عن سؤال: هل كان الطعام الروسى يحضر للرئيس عبدالناصر من روسيا بالطائرة أم لا؟. كل من يحكون فى هذا الموضوع يقولون كلاماً مرسلاً، لا يوجد أى وثائق دالة على إثباته أو نفيه، فالوثائق موجودة لدى الخارجية المصرية. وأطراف هذه القضية يتجادلون حول موضوع مضى عليه عقود طويلة من الزمن، ولا أجد أى غضاضة فى أن يخرج علينا أحد المسئولين بالوزارة ليحسم الجدل، ما دام الناس قادرين على الانشغال بـ«طعام الموتى» بهذه الطريقة الفجة.
واقعة «أكل الرئيس عبدالناصر» استهلكت العديد من الساعات على شاشات الفضائيات، والكثير من صفحات الجرائد والمجلات. ولست أدرى ما السر فى انصراف الناس عن الحاضر إلى قضايا الماضى بهذه الطريقة العجيبة؟ أفهم أن يكون الحاضر محلاً للشائعات فى ظل ما يسوده من صراعات ومحاولات هدم وسيطرة، وفى ظل عدم القدرة أو القلق من توضيح المعلومات التى تتعلق ببعض الأحداث التى تتفاعل فيه، لكن أن يكون الماضى هو الآخر محلاً لترديد الشائعات فهذا ما لا أفهمه. نحن نتحدث عن وقائع غادرها التاريخ، ولم يعد لها أى تأثير على الواقع المعاش، ونشر المعلومات الدقيقة المتعلقة بها لن يضر أحداً، بل سيشكل فائدة كبرى، أقلها أن يتم غلق هذا النوع من الجدل الساذج حول أمور لا تسمن ولا تغنى من جوع.
ربما كنا من أكثر شعوب الأرض ولعاً بالشائعات ومحبة للنميمة. هذه ثقافة عامة تحكم الكثير من المصريين، مدارها فكرة «السرية». إنها حالة تبدأ مع المصرى منذ ميلاده، عندما يحرص الأب أو الأم فى الأرياف على ترديد أن المولود أنثى، وليس ذكراً درءاً للعين، أو أنه ليس على ما يرام خوفاً من الحسد، ولما يكبر تظهر المراوغات فى مجموعه فى الثانوية العامة، وبعد التخرج تظهر المخادعات فى المرتب ومستوى الدخل، كل ذلك خوفاً من «عين الحسود». أفهم أن نعتمد على السرية فى الموضوعات التى يجب أن نلتزم فيها بذلك حماية للأمن الشخصى أو أمن الوطن، لكن أن تطول السرية الحياة بأكملها، وتتمدد إلى موضوعات يكون فيها التصريح أفيد من التلميح والإعلان خير من الكتمان والمصارحة أنفع من التستر، فذلك أمر غير مفهوم بالمرة. وواضح أن هذا النهج أو السلوك هو الذى يؤدى إلى رواج الشائعات.
الحياة السليمة الناجحة تستند إلى «حقائق»، سواء فيما يتعلق بماضيها أو حاضرها. نحن نعانى على سبيل المثال من اختلاط الحقائق بالأوهام فى كتب التراث الإسلامى، لكن يبدو أن هذه الطريقة فى تناول التاريخ تمتد إلى تاريخنا الحديث والمعاصر أيضاً، فكثيراً ما تزحف الأوهام على الحقائق فى وعينا بالكثير من الأحداث التى شهدها الماضى، والسر فى ذلك الرغبة فى عدم ذكر الحقيقة، لأن الأعصاب لا تحتملها، أو خوفاً على الرأى العام من هز الصور النمطية التى تشكلت فى عقله ووجدانه حول الراحلين. وتتعقد الأزمة أكثر عندما يصبح الوهم أساساً لتعامل الإنسان مع كل شىء.