«الموتى».. يتكلمون

من عاش مات.. ومن مات فات.. وكل ما هو آت آت.. هكذا كان يتحدث قس بن ساعدة الإيادى قبل بعثة النبى، صلى الله عليه وسلم، ولست أدرى ما هذا الغرام الذى اجتاح البعض خلال الفترة الأخيرة بنبش قبور الموتى؟. يقول البعض إن استعادة الماضى وتأمل التاريخ واستخلاص العبر والدروس منه أمر ضرورى، وهو كلام صحيح مائة فى المائة، لكن الحديث عن التاريخ كأحداث وسياقات وظروف وملابسات أمر، والتعامل معه بمنطق أنه يتحرك بفعل مجموعة من الأشخاص أمر آخر. الاهتمام بالتاريخ من الزاوية الحدثية هو المفيد، أما التعامل الشخصانى مع أحداثه، فلا يثير إلا الضغائن بين الأحياء، وليس فى مقدور أحد أن ينكر التأثيرات السلبية لهذا النوع من التناول على الحاضر الذى يخضع لحالة يمكن وصفها بـ«الإدارة من القبور»، أضف إلى ذلك بالطبع تأثيراته على المستقبل.

عندما يتصارع الأحفاد حول خلافات الأجداد، فتلك أزمة. المسلمون، من أحفاد يزيد وأحفاد الحسين، ما زالوا يشهرون السلاح فى وجه بعضهم بعضاً، لأنهم ببساطة نسوا الموضوع وانشغلوا بالشخص. نظروا إلى تاريخهم، فنسوا استخلاص العبر والدروس منه، وانخرطوا فى التركيز على ما فعل هذا وما صنع ذاك، فتحمس بعضهم لشخص وتحمس آخرون لثانٍ، وبنوا فقههم للحياة على هذا الأساس الشخصانى. هل يعقل أن قطاعاً من المسلمين ما زال يقيم مراسم عزاء للحسين، رضى الله عنه، الذى استشهد فى كربلاء قبل ما يقرب من ألف سنة من الآن؟. وهل من الطبيعى أن يقيم قطاع آخر مراسم احتفال وبهجة وفرح موروثة عن عهد يزيد بن معاوية، الذى اخترع فكرة ذبح الطيور وطبخ الحبوب: «العاشورة» ابتهاجاً بذكرى عاشوراء التى شهدت مصرع الحسين على يد جنود عبيد الله بن زياد بن أبيه؟!. إنه التحلّق حول الشخص.

ذات يوم كان عمر بن عبدالعزيز يجلس بين أصحابه، فتطرق بهم الحديث إلى تلك الحرب الضروس التى تعاركت فيها سيوف الفضلاء من صحابة النبى، وقتل فيها الخليفة عثمان، ثم الخليفة على، ثم الحسن (مات مسموماً)، ثم الحسين، تلك الفترة التى تم معالجة الخلافات السياسية خلالها بالسيوف. سأله أصحابه: كيف ترخّص الأفاضل فى سفك الدم بهذه الطريقة؟، فكان رده «تلك دماء شرف الله سيوفنا منها»، ثم تلا عليهم قول الله تعالى: «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ». إنها القاعدة الموضوعية التى تصح وتهدأ بها الحياة. كل إنسان مسئول عما فعله، وليس من حق أحد أن يحكم على أحد، لأنه لم يعش ظرفه، ولم تقذف به الأقدار فى الظروف التى عاشها.

معاركنا حول الموتى أصبحت تتفوق كثيراً على معاركنا حول الحياة. وحرى بنا أن نترك الأموات فى حالهم، فهم بين يدى رحمن رحيم، ورب كريم عنده الحساب والميزان، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وليس من الحكمة فى شىء أن يلوم البعض أناساً بسبب تنصيب أنفسهم آلهة يوزعون الرحمة والعذاب على من عداهم، ثم يأتون ما ينهون عنه، فليرحم الله الجميع.