«كوم أبوخلاد» ببنى سويف.. ممرضة وحيدة.. والتراب «معشش» فى المبنى

كتب: محمود عبدالرحمن

«كوم أبوخلاد» ببنى سويف.. ممرضة وحيدة.. والتراب «معشش» فى المبنى

«كوم أبوخلاد» ببنى سويف.. ممرضة وحيدة.. والتراب «معشش» فى المبنى

فى الطريق إلى الوحدة الصحية بقرية كوم أبوخلاد التابعة لمركز ناصر بمحافظة بنى سويف، سألنا أحد شباب القرية عن كيفية الوصول إليها، فطلب مرافقتنا داخل السيارة حتى لا نتوه عنها، نظراً لوجودها داخل حوارى القرية، ما يجعل من الصعب الوصول لها دون مرشد من الأهالى: «يا بيه دى فى متاهة جوه، مش هتعرفوا توصلوا لها غير لو حد من أهل البلد وصلكم لحد بابها».

جلس معنا الشاب الثلاثينى سيد أبوالفتوح، داخل السيارة، واستفسر عن سبب ذهابنا إلى الوحدة الصحية، فأخبرناه بإصابة أحدنا بتعب مفاجئ أثناء مرورنا من على الطريق الدولى من أمام القرية، الأمر الذى دفعنا للتوجه إلى أقرب مكان صحى يمكن تلقى العلاج فيه، طلب منا «أبوالفتوح» التوقف بالسيارة وتغيير مسار الرحلة، لأننا لن نجد فى الوحدة الصحية سوى «تمارجية» لن يتمكنوا من إسعاف الحالة، أو تقديم شىء لها، استكملنا رحلتنا تجاه الوحدة الصحية، مستنكرين حديث ابن القرية لنا بعبارة «إزاى يا باشا، الوحدة الصحية بيكون فيها دكاترة وممرضين وكل حاجة»، ليجيب علينا «الدكاترة مش بييجوا ومافيش لا علاج ولا أجهزة طبية، والمكان تراب كله من قلة التنضيف، اسمعوا نصيحتى وارجعوا روحوا بنى سويف، كلها ساعة إلا ربع وتبقوا هناك، بدل ما تضيعوا وقتكم هنا فى كلام مش هيفيدكم فى حاجة».

«الوحدة» عبارة عن مبنى مكون من طابقين، يطل على الشارع الرئيسى للقرية مباشرة، تُغطيه الأتربة من كافة جوانبه، هممنا بالدخول إليه والنداء على من بداخله، فاستوقفتنا سيدة خمسينية، كانت على وشك ركوب دراجة نارية خلف زوجها للرحيل، سألتنا عما نريده، بعدما أبلغتنا بأنها ممرضة بالوحدة، فأخبرناها بشعور أحدنا بهبوط حاد وخفقان أثناء مرورنا من خارج القرية، وتدهور حالته الصحية بشكل مفاجئ، فطلبت منا التوجه على وجه السرعة إلى أحد مستشفيات محافظة بنى سويف، لعدم وجود أطباء فى الوحدة الصحية، ولا أى خدمات طبية تستطيع تقديمها لنا، سألناها عن مدى إمكانية عودتها إلى داخل الوحدة، من أجل قياس ضغط الدم، وعمل جلسة تنفس صناعى حتى تتحسن الحالة، فقالت «والله يا بنى ما فيه هنا حاجة خالص أقدر أعملها، لأن ما عنديش لا أجهزة ولا أدوية فى الوحدة، فما تلخبطشى لا فى صيدليات ولا فى وحدات صحية واطلعوا على بنى سويف على طول، لأن محدش هيسعفكم هنا».

أدار زوج الممرضة مفتاح تشغيل آلته البخارية للرحيل، وهمت زوجته بالانصراف خلفه، قبل أن نستوقفها مرة أخرى للسؤال عن مكان وجود طبيب الوحدة للذهاب إليه، وتوقيع الكشف الطبى فى عيادته، فأجابتنا «والله الدكتور حمادة مش هنا، مش بييجى عشان عنده ظروف»، ثم طلبت منا الذهاب لمستشفى مركزى من أجل إنقاذ الحالة «الحق صاحبك شكله بيشم بودرة وعاوز جلسات تنفس صناعى سريع».

«يا بنى وحدة صحة إيه اللى انت جاى تتعالج فيها، انتوا شكلكوا ولاد ناس من مصر، ما تعرفوش حاجة عن اللى بيحصل فى الأرياف»، قالها الحاج موسى، 66 عاماً، أحد جيران الوحدة الصحية، وأشار إلى أن حفيده البالغ من العمر ثمانى سنوات، تعرض لـ«قرصة» عقرب، منذ نحو شهرين، فأسرعت به والدته إلى الوحدة الصحية لتلقى مصل التطعيم، فأخبرهم العامل الوحيد الموجود داخل الوحدة فى تمام الساعة 11 صباحاً، بعدم وجود أى خدمات بالوحدة، وغياب جميع الأطباء والممرضات، وبعدما ذهب والده وقام بالـ«زعيق» داخل الوحدة، قام العامل بالاتصال بالطبيب وإحدى الممرضات، اللذين حضرا خلال نصف ساعة، وقاما بإخراج المصل من ثلاجة الوحدة، وأعطياه للطفل، ثم طلبا منا الذهاب إلى مستشفى خاص لاستكمال العلاج، واستطرد الرجل السبعينى أن الوحدة شبه معطلة، يأتى إليها الموظفون فى الصباح للتوقيع فى دفاتر الحضور والانصراف فقط، لا يقدمون خدمات أخرى، إلا لمن يخشون صوته العالى «يعنى لو رُحت هناك واتكلمت بالراحة هيقولولك مافيش وهيقفلوها فى وشك، إنما لو زعقت وعملت لهم قلق هيتصلوا على الدكتور يجيبوه، ويطلعوا العلاج من مخزن الأدوية».


مواضيع متعلقة