قطر - كوريا الشمالية.. ولعبة توزيع الأدوار

.. قبل أيام اتصلت بى إحدى القنوات الفضائية التى تعمل فى أنقرة بتركيا وتحدثت معى بشأن إطلالتى لمدة ساعة عبر شاشتها لأتحدث عن كوريا الشمالية وكيف أن رئيسها -الذى وصفته بالمجنون والمتهور- يريد أن يوجه صواريخه البالستية إلى واشنطن لتدميرها!

والحق كان لى رأى آخر فكوريا الشمالية تمثل العالم الثالث ولا تريد أن تظل أمريكا تهيمن على العالم عن حق أو عن غير حق، وأنها تريد أن تضرب عاصمة أمريكا، لأنها تود أن تضرب مستودع الشر فى العالم، وقالت مصادرها إنه قد آن الأوان أن تتحمل أمريكا مسئولياتها تجاه العالم.. وأن ترويع الناس وتخويفهم وفرض الظلم عليهم آن له أن ينقشع.

نسيتُ أن أقول إن المتحدثة باسم القناة المشبوهة، رفضت رؤيتى وطلبت أن أردد ما تقوله الدعاية الأمريكية عن كوريا الشمالية، وأغرتنى بأنها ستضاعف أجرى بالدولارات إذا ما رددتُ كالببغاء ما تقوله أمريكا عن كوريا الشمالية.. كان طبيعياً أن أرفض اللهم إذا قلت رأيى وهو أن هذه دعاية أمريكية رخيصة، وأن رئيس كوريا الشمالية ليس مجنوناً ولا متهوراً، فقط يريد أن يضع حداً لسطوة أمريكا على العالم، ويصر أنه يريد أن يعود لدرس فيتنام الذى لقنته يوماً لأمريكا مستودع الشر فى العالم.

وانتهى الاتفاق ولم أخرج على شاشة الفضائية التى يبدو أنها تريد الوفاء بديون أمريكية سابقة وانتهى الحوار.

 

أريد أن أقول إن الخلاف بين أمريكا من ناحية وكوريا الشمالية من ناحية أخرى ليس جديداً.. فبين وقت وآخر تصدر عن الدولتين تصريحات تفيد بالتوترات الدفينة بينهما، ولا بد أن نتذكر أن الرئيس ترامب هو فى الأصل جمهورى، والجمهوريون لهم موقف من كوريا الشمالية عبرت عنه مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية السابقة عندما قالت -وهى جمهورية أيضاً - إن الأصح كان توجيه ضربة أمريكية لكوريا الشمالية وليس إلى العراق فى زمن صدام حسين.. معنى ذلك أن حلم ضرب كوريا الشمالية كان ولا يزال يدغدغ مشاعر الجمهوريين فى أمريكا!

أيا كان الأمر ستظل أمريكا تتكلم عن كوريا الشمالية، وستظل الأخيرة تتوعد وتهدد، لكن توجيه ضربة من هذه إلى تلك أو العكس هو أمر صعب المنال.. لماذا؟!

لأن أمريكا تعلمت الدرس سريعاً، فهى لا تريد أن تكون طرفاً ظاهراً فى خلاف من هذا النوع، وفى حالة توترات كوريا الشمالية ستكون أمريكا «والحالة هذه» هى التى ستتلقى الضربات الصاروخية وهى التى سترد.. وفى هذه الحالة سيموت من مواطنيها الآلاف، ومثلما أبادت هيروشيما وناجازاكى فى اليابان سوف يُباد من مدنها أكثر من مدينة، فالتسخين هنا بلغة الرياضة سيكون مقصوراً على كوريا الشمالية، أما الحرب الساخنة الحقيقية، التى ترقى إلى مستوى الحرب العالمية الثالثة فستكون من نصيب قطر.. لماذا؟

لأن الذى سيدفع الثمن هنا هو دول الخليج وشبه الجزيرة العربية، وستكون أمريكا بعيدة وفى مأمن من شرور هذه الحرب، ناهيك عن أنها ستكون بسبب الإرهاب.. ورجال الاستراتيجية الأمريكيون يقولون عن الحرب العالمية الثالثة إنها ستكون ضد الإرهاب.. ناهيك عن أن حلم الرئيس ترامب الذى تحدث عنه قبل نحو ثلاثين عاماً هو تدمير دول الخليج كاملة وأخذ أموالها، إذ لا يُعقل أن تكون كل ثروات العالم فى أيدى حفنة من رعاة الغنم!!

إذن الحديث عن نشوب حرب بين كوريا الشمالية وأمريكا ليس إلا من قبيل التسخين الرياضى أما الحرب الحقيقية فهى من نصيب أمير قطر الذى ابتلع الطعم وأيدته الدول الغربية كلها، ورأت أنه كما قال وزير خارجية أمريكا على حق فيما ذهب إليه، ولا عزاء للرباعى العربى!!

قطر مُرشحة من وجهة نظر أمريكا لإشعال هذه الحرب فسوف يموت الآلاف بل الملايين فى هذه المنطقة، وهناك إيران التى تمثل حجراً فى حلق الغرب، ثم تركيا التى لا يُؤتمن جانبها، ولا ننس أن روسيا وراء الجميع، ثم فى الطرف الآخر توجد السعودية والإمارات والبحرين ومصر، وكل دولة تُمثل تحدياً كبيراً لأمريكا.. فإشعال حرب فى هذه المنطقة سوف يحقق أمنية عزيزة لأمريكا التى ستظل بعيدة وبريئة من هذه الحرب، عكس ما يمكن أن يحدث فى حالة كوريا الشمالية.

نحن إذن أمام دعاية مغرضة فى حالة كوريا الشمالية، وفى حالة شحن لحرب عالمية مقبلة فى منطقة الخليج.. وأمريكا ليست بريئة من هذا فى قليل أو كثير.

وحتى الآن يبدو -وأخشى أن أقول ذلك- أن قطر هى المنتصرة، أما الرباعى العربى فقائمته التى تضم 13 شرطاً ووزراء خارجيتهم لخصوا هذه القائمة فى أربعة شروط بالقاهرة وجاءت قمة المنامة وأكدت على هذه الشروط، ولم تفعل قطر سوى أن أفسحت المجال لقاعده تركية وأخرى إيرانية إلى جانب القاعدة الأمريكية الشهيرة، أى إنها كانت سبباً فى أن جاء المنطقة العربية الفرس والأتراك، وكأن الأمير تميم -أمير قطر- لم يفعل أى شىء والحرب الضروس يستعدون لها بسلاح أمريكى، ونحن العرب لن نكون، حكاماً ومحكومين، سوى أتون لهذه الحرب المرتقبة، والدول الغربية تهنئ بعضها بعضاً باعتبار أننا نقترب من هذه الحرب الطاحنة.

فمنذ الآن فصاعداً أى حديث عن توترات بين أمريكا وكوريا الشمالية هو للاستهلاك المحلى ولا معنى له، لأن أمريكا تريد أن تكون صاحبة «هيبة» فقط لا غير، وهى تعلم أن اندلاع حرب مع كوريا الشمالية لن يكون فيها غالب أو مغلوب، فأمريكا ستخسر فى هذه الحرب وهى لا تريد أن تكون خاسرة.

قد تطول الحرب فى المنطقة الخليجية لكن الدول الكبرى فى العالم تستعد لها منذ الآن، فأموال الخليج ذهبت حلالاً زُلالاً إلى ترامب وأمريكا، وسلاح الغرب يملأ جنبات المنطقة، ووقود هذه الحرب هو شعوب المنطقة العربية، ومالتس صاحب النظرية الاقتصادية يشعر جثمانه بالفرح لأن العالم سوف ينقص عدة ملايين، وأمريكا سوف تشجب وتُدين وكذلك الأمم المتحدة والدول الكبرى فى العالم.

باختصار العالم يتشكل من جديد، وسايكس بيكو آخر سيبدأ من قطر (الإمارة المارقة)!