د. جودة عبدالخالق: سياسات الحكومة تؤدى إلى مزيد من «إفقار المواطنين» والدعم الذى تقدمه لهم مشكوك فى قدرته على انتشالهم من هذا الفقر

د. جودة عبدالخالق: سياسات الحكومة تؤدى إلى مزيد من «إفقار المواطنين» والدعم الذى تقدمه لهم مشكوك فى قدرته على انتشالهم من هذا الفقر
- أجور العاملين
- أسعار السلع
- اتحاد الصناعات المصرية
- الإجراءات الاقتصادية
- الإصلاح الاقتصادى
- الإضراب عن العمل
- آلية
- أجنبى
- أجنبية
- أجور العاملين
- أسعار السلع
- اتحاد الصناعات المصرية
- الإجراءات الاقتصادية
- الإصلاح الاقتصادى
- الإضراب عن العمل
- آلية
- أجنبى
- أجنبية
قال الدكتور جودة عبدالخالق، وزير التموين والتضامن الاجتماعى الأسبق، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن أكثر ما يقلقه فى المشهد الاقتصادى الراهن، هو أن صُناع القرار يتخذون قراراتهم الاقتصادية لصالح «طرف ثالث» يُسميه «الأسياد»، معتبراً أن «الحكومة لا تستشعر أى مسئولية أمام الشعب، ولو كانت كذلك لما أقدمت على قراراتها الأخيرة» المتعلقة ببرنامج «الإصلاح الاقتصادى»، على حد قوله. أضاف «عبدالخالق» فى حوار لـ«الوطن» أن الحكومة لا تلعب دوراً محورياً فى ضبط أسعار السلع، وإنما الأمر متروك فى تقديره لـ«مافيا السلع»، ممن يحتكرون السلع ويحققون أرباحاً فاحشة بدعم وحماية قانون حماية التنافسية ومنع الممارسات الاحتكارية.
{long_qoute_1}
واعتبر الوزير الأسبق أن الحكومة تتبع مجموعة من السياسات تؤدى إلى مزيد من الإفقار للمواطنين، وأن «قضية الإنتاج سقطت تماماً من جدول أعمالها، منوهاً إلى أن تحرير سعر الصرف المعروف بـ«تعويم الجنيه» كان قراراً كارثياً، وتسبب فى أضرار لا حصر لها للاقتصاد، مستعرضاً حزمة من الإجراءات البديلة التى كان ينبغى على الحكومة اتخاذها بديلاً لقراراتها الأخيرة.. وإلى نص الحوار.
■ ما أكثر ما يقلقك فى المشهد الحالى على الصعيد الاقتصادى؟
- أكثر ما يقلقنى هو أن لدينا مسئولين، إلا أن من يحركهم «إحنا مش شايفينه»، ولا يمكن لمسئول أمام شعب أن يتخذ القرارات الأخيرة التى يسمونها «برنامج الإصلاح الاقتصادى»، فتعويم الجنيه كان كارثة، والإجراءات التى اتخذتها الحكومة مؤخراً بدءاً من تحرير سعر الصرف، فضلاً عن الاندفاع المحموم نحو جلب القروض من كل مكان وبكل الوسائل، والإصرار على تنفيذ حزمة مشروعات قومية تخل بالاستقرار الكلى للاقتصاد الوطنى، والتقتير على موظفى الدولة بمنحهم علاوة 10% فقط رغم أن «التضخم» ارتفع إلى نحو 33%، يعنى أن الحكومة تعتصر قوة العمل فى هذا البلد.
كل هذه الأمور تقلقنى، والإصرار عليها يشير بقوة إلى أن من يُملى هذه السياسات على الحكومة هو «طرف ثالث» غير معلوم، ولو كانت السلطة التى اتخذت هذه الإجراءات تستشعر المسئولية أمام هذا الشعب، لما أقدمت على اتخاذ هذه الإجراءات، لكن فيما يبدو لى أن هذه السلطة مسئولة أمام «طرف ثالث».
■ من هو بالتحديد هذا «الطرف الثالث»؟
- أسميهم مجازاً «الأسياد» وهم صندوق النقد الدولى والبنك الدولى والحكومة الأمريكية، والشركات العالمية، ورجالهم فى الداخل. {left_qoute_1}
■ هل هذا هو السبب فى اتخاذ الحكومة لقرارات قد تتعارض من وجهة نظرك مع مصلحة الشعب؟
- نعم، وهذه قصة قديمة علينا أن نتذكر أنه حينما قامت ثورة يوليو 1952، وضعت 6 أهداف، منها إنهاء سيطرة رأس المال على الحكم، و«بيت الداء» هو سيطرة رأس المال على الحكم، وبعد ثورة 25 يناير 2011 استطاعت قوى الثورة تحديد مكاسب وانتصارات، ثم تمكنت هذه القوى المضادة ومنها «الإخوان» من سرقة هذه الثورة، وما زلنا نعانى حتى الآن من «قوى الثورة المضادة» هذه، ولكن هذه المرحلة ليست هى نهاية المطاف، وأنا أثق أنه ستعقبها مرحلة تنتزع فيها قوى الثورة مكتسباتها مرة أخرى، ومن البديهى أن هذه القوى غير معنية بقضية العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للدخول، إنما هى قوى من نوع ثالث، مرجعيتها مصالح رجال الأعمال، ومن يؤازرونهم فى الخارج كالمؤسسات الدولية والدول الأجنبية، وللأسف لم يكلف رئيس الحكومة نفسه ليوضح للناس جدوى الإجراءات الاقتصادية الأخيرة، لأنه بالتأكيد كلامه لن يكون مقنعاً لهؤلاء الناس.
■ وصفت قرار تحرير الجنيه بـ«الكارثى».. فما البديل الذى تقترحه؟
- ما زلت مصراً على أن تقييد الواردات كان حلاً أفضل لتوفير الدولار من تحرير سعر الجنيه.
■ لكن الحكومة فرضت بالفعل قيوداً على الواردات وتحرير سعر صرف الجنيه كان أحد هذه الإجراءات؟
- هذا صحيح، لكن ما أقصده أن هذه الإجراءات غير كافية، ولا تتناسب مع حجم المشكلات الاقتصادية الراهنة، كان من الأولى اتخاذ إجراءات لتقييد الواردات تصل إلى حد حظر بعض البنود، واتفاقية «الجات» وعضويتك فى منظمة التجارة العالمية تتيح لك ذلك، إذ إن وضعك الاقتصادى مأزوم، وقد تعرضت لعدة صدمات داخلية، منها ما حدث بدءاً من 25 يناير 2011 مروراً بـ30 يونيو 2013، وحتى فرض حالة الطوارئ مؤخراً، وصدمات أخرى خارجية منها التراجع الشديد فى الحركة السياحية وفى تحويلات العاملين بالخارج، وأيضاً تراجع الاستثمارات الأجنبية، كل هذه الصدمات تسببت فى ضغوط كثيرة على قيمة الجنيه، ويبقى السؤال: هل التعويم كان حلاً ناجعاً؟ فى رأيى لا، لعدة أسباب، أولها طالما أن الباب لا يزال مفتوحاً للواردات، وطالما أن الخلل فى توزيع الثروة والدخل فى هذا المجتمع كما هو، فسيظل القادرون مستعدين لدفع ثمن أى سلعة مهما غلا ثمنها، وفى ظل هذه القرارات استورد هذا البلد طعاماً للحيوانات فى الربع الأول من العام الحالى بنحو 40 مليون دولار، وما دام هناك خلل فى توزيع الدخل كما هو قائم حالياً، فإن «التعويم» ليس أداةً مُثلى لضبط الواردات.
ثانياً نتيجة السياسات التى طُبقت منذ زمن «الانفتاح الاقتصادى» خلال عقد السبعينات من القرن الماضى وحتى الآن، أُهملت قضية الإنتاج، وأصبح هيكل الإنتاج فى هذا البلد يعتمد بشكل مفرط على الواردات من الخارج، وتقريباً كل الصناعات المحلية، السيارات والصناعات الهندسية إلخ، تعتمد على واردات من الخارج بشكل كبير للغاية، لدرجة أن دراسات ميدانية تشير إلى أن المكون الأجنبى لإنتاج مدينة العاشر من رمضان الصناعية يتجاوز 60%.
■ إذن.. أنت ترى أن «التعويم» لم يكن حلاً أمثل؟
- «التعويم» أدى إلى تراجع هيكل الإنتاج فيما يتعلق بتأمين الاحتياجات الأساسية من الغذاء، فمصر تعتمد على الخارج بنسبة 55% من تأمين احتياجاتها من القمح، وأكثر من 80% من احتياجاتها من زيت الطعام، و60% من الذرة، وهذه سلع أساسية لا غنى عنها، وبالتالى فإن «التعويم» أدى إلى ارتفاع تكلفة تدبير الاحتياجات الأساسية من الغذاء، وأصبحت أنت أمام خيارين، إما أن تُحمل كاهل الأسرة هذه الزيادة، أو تُثقل بها كاهل خزانة الدولة من خلال الدعم، وهنا أشير إلى أن اعتقاد الحكومة بأن ترك العملة لقوى العرض والطلب ليستعيد الاقتصاد توازنه، ظل فرضاً غير قائم بالمرة، وكان من الممكن أن يكون «التعويم» حلاً ممكناً إذا توافرت عدة شروط، منها قدر لا بأس به من التوزيع العادل للدخل والثروة، وحال وجود هيكل إنتاجى قوى، وقدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية، وهذه شروط لم تؤخذ فى الاعتبار، والنتيجة أن الحكومة رفعت تكلفة تدبير احتياجاتها الأساسية من الغذاء، وزادت من فاتورة الدعم، إذ إن فاتورة دعم الطاقة فى الربع المالى الأخير زادت على كافة مخصصات دعم الطاقة فى العام المالى كله، طبقاً لخطة الموازنة العامة للدولة، وذلك لسببين أولهما تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار، ثانياً، ارتفاع قيمة الواردات البترولية.
{long_qoute_2}
■ وما البديل لـ«التعويم» إذا كان بهذا السوء؟
- قلت مراراً إن «التعويم» بترك العملة لقوى العرض والطلب لن يُصلح حال مصر، إذ كان من الممكن اتخاذ مجموعة من الإجراءات، منها «التعويم المدار»، الذى يتم خلاله ربط قيمة الجنيه المصرى بسلة من العملات الأجنبية التى نتعامل معها، وفى حالة هذا النوع من التعويم يمكن للبنك المركزى التدخل لضبط قيمة العملة، وكان من الضرورى أيضاً اتخاذ إجراءات منها فرض حظر على بعض الواردات، ومنظمة التجارة العالمية تسمح بذلك، فى حال تعرض اقتصاد إحدى الدول الأعضاء لضغوط تستنزف الاحتياطى الأجنبى، وتُضر بالوضع الاقتصادى، وهو ما حدث لمصر بالفعل، وكان يمكن تحقيق ذلك من خلال طلب يقدم للجنة ميزان المدفوعات بمنظمة التجارة العالمية، بمقتضى المادة 18 الفقرة (ب) من اتفاق المنظمة، الموقع عام 1995، على أن يُشفع الطلب باستعراض الوضع الاقتصادى المصرى مدعوماً بالأرقام التى تدلل على تأزمه، ما يمهد الطريق لإطلاق مفاوضات مع شركائنا الدوليين، مثل الصين والهند وغيرهما لاستعراض الوضع وطلب الحظر على بعض صادراتهم إلينا وتحديد المدة، حتى لا يتخذوا إجراءات مماثلة، وبحسبة بسيطة، نجد أن واردات مصر بلغت نحو 74 مليار دولار فى 2016، ومن خلال الاستفادة من المادة 18 الفقرة «ب» يمكننا فى نهاية الأمر تخفيض خُمس وارداتنا تقريباً، أى نحو 14 مليار دولار، أى أكثر بمليارى دولار من قرض «الصندوق» ودون زلزلة الأوضاع، وهذا هو الإجراء الثانى الذى كان من الممكن اتخاذه بعد «التعويم المدار».
■ ماذا عن الإجراءات الأخرى التى كان يتعين على الحكومة اتخاذها فى تقديرك؟
- من بين الإجراءات التى كان من الممكن اتخاذها تهدئة الاقتصاد لأنه «مش معقول نفتح على الخامس» فيما يُسمى بـ«المشروعات القومية».
■ هل تشكك فى الجدوى الاقتصادية لبعض هذه المشروعات؟
- لا أتحمس لبعض هذه المشاريع، ومنها العاصمة الإدارية الجديدة التى لا أرى مبرراً لإنشائها، وأنه من غير المقبول أن تعمل الدولة كمطور عقارى، يقوم بـ«ترفيق الأرض» وبيعها لجلب الفلوس «ده مش أسلوب دولة ده أسلوب مقاول». لكن هذه قصة أخرى. {left_qoute_2}
وما أقوله الآن إنه بغض النظر عن جدوى هذه المشروعات، فإن الحكومة تنفق المليارات عليها دون أن يتولد أى إنتاج فى الوقت الراهن، ما يعنى أنها تخلق طلباً ناتجاً عن شراء احتياجات هذه المشروعات وأجور العاملين فيها، ولا يقابل هذا الطلب عرض أو إنتاج، وهو ما يؤدى إلى زيادة معدلات التضخم والضغط على الجنيه، وبالتالى كان من الضرورى إعادة النظر فى هذه المشروعات بالإبطاء فى تنفيذ بعضها وتأجيل البعض الآخر حسب الأولويات إن أمكن لتهدئة السوق، وأن نركز على مشروعات تزيد من العرض فى السوق. ومن الغريب أن الدولة التى تتوسع بشكل غير مدروس فى مشروعات بهذا الحجم، لا تعطى اهتماماً يذكر لإحياء المصانع المتعثرة، مع أن تشغيلها أقل تكلفة وأكثر نفعاً. ولقد سمعنا أرقاماً كثيرة عن عدد هذه المصانع. لكن المؤكد أن عدد المصانع والمشروعات المغلقة بالمئات، وهى طاقات كبيرة قابلة للإنتاج لكنها معطلة، وما يوجعنى أن دعم هذه المصانع ليس من أولويات الحكومة على الإطلاق، وكان يجب إعطاؤها أولوية قصوى.
■ البعض يتهم «اليسار» بأنه مؤمن بفكرة «شيطنة» صندوق النقد الدولى.. ألا تعتقد أن الصندوق قد غيّر سياساته؟
- أنا لا أؤمن بنظرية المؤامرة، ومنطقى قائم على أن لى إرادة، وأنت لك إرادة، والإرادات تتصارع بطبيعة الحال، وفى هذا السياق، فإن الإرادة المصرية تقف فى مواجهة إرادة «الأسياد»، نحن أمام حكومة تقوم باتخاذ قرارات إلا أنها فى الحقيقة ليست صاحبة هذه القرارات، وهذا الأمر بدأ فى السبعينات مروراً بالتسعينات من القرن الماضى.
■ هل لديك أمثلة على قرارات اتخذتها الحكومة لمصلحة من تسميهم «أصحاب المصالح» مؤخراً؟
- بالطبع لديَّ الكثير، على سبيل المثال، عدم إقدام الحكومة على استعمال حق مصر لدى منظمة التجارة العالمية كما سبق أن أشرنا بطبيعة الحال يصب فى مصلحة المستوردين، ثم إن تجميد الضريبة على الأرباح الرأسمالية بالبورصة بنسبة 10% يشير إلى أن هذا القرار اتُخذ لصالح رجال الأعمال، والقرار السلبى بعدم فرض ضريبة تصاعدية على الدخل يؤشر إلى عدم اتخاذ قرار لمصلحة الشعب.
■ لكن البعض ومنهم وزراء سابقون منهم يوسف بطرس غالى يرون أن الضريبة التصاعدية هذه غير مجدية؟
- أنا أتساءل: هل ستكون الضريبة التصاعدية فى مصر غير مجدية فى حين أنها مجدية فى الولايات المتحدة؟ أنا عشت 6 سنوات كطالب دراسات عليا فى أمريكا، وزرتها 5 مرات أخرى كأستاذ زائر فى الجامعات، وهناك، فى أمريكا، ضريبة على الأرباح الرأسمالية أيضاً، بل وعلى الدخول غير المكتسبة تصل إلى 80%، وبالتالى فإن التبريرات من قبيل «تطبيق هذه الضرائب هيطفش المستثمر» ليست سوى مماحكات، لأنها مطبقة فى الدول الرأسمالية، وسبق أن ناظرت يوسف بطرس غالى حول هذه الضريبة التصاعدية، وواجهته بأنها مطبقة فى الولايات المتحدة فلم يستطع أن يرد.
■ عدد من المسئولين الحاليين والسابقين أكدوا أن الإبقاء على منظومة الدعم الحالية إنما تستهدف مصالح الموردين لا المواطنين.. ما مدى صحة هذا الكلام؟
- جزء من هذا الكلام صحيح، فموردو السلع التموينية يستفيدون بلا شك من منظومة الدعم، ولهم مصلحة فى استمرارها إلا أن هناك مجموعة أخرى من الأسباب، أبرزها أن الحكومة تتبع مجموعة من السياسات تؤدى إلى مزيد من إفقار المواطنين، ثم تقدم لهم دعماً مشكوكاً فى قدرته على انتشالهم من الفقر، ويبقى السؤال هو: لماذا لا تتبع الحكومة مبدأ «الوقاية خير من العلاج»؟ بتراجعها عن اتباع سياسات تنتج فقراً، وبالتالى لا تحتاج إلى تخصيص مليارات الجنيهات للدعم كآلية لمواجهة هذا الفقر؟
■ أعطنا مثالاً على سياسات الحكومة التى تؤدى لـ«إفقار المواطنين» حسب تعبيرك؟
- قرار «التعويم» مثال واضح على ذلك، والسياسات التى تؤدى للتضخم مثال آخر، فالتضخم ضريبة تُقتطع من دخول الناس بدون قانون، كما تقضى الديمقراطية، إذ لا توجد ضريبة بدون قانون.
■ من تقصد بـ«مافيا السلع»؟
- أقصد المجموعات المسيطرة على سوق السلع، إليك «الأرز» كمثال على ذلك، فمصر لديها فائض كبير من الأرز إلا أن السوق تعانى شحاً وارتفاعاً فى سعره دون تفسير منطقى وواضح. وهذا سببه سيطرة مجموعة من التجار على هذه السلعة الحيوية والدولة «قاعدة تتفرج». وأنا سبق أن دخلت فى حرب معهم حينما كنت وزيراً، ووصل الأمر إلى التهديد الصريح والمبطن بإغلاق مضارب الأرز، والإضراب عن العمل، ما يؤدى إلى إرباك السوق.
والمسيطرون على تجارة الأرز عددهم لا يتجاوز 10 تجار فقط، يأخذون الأرز من الفلاحين بدون سداد كامل الثمن، إذ يكتفون بدفع «عربون» فقط، ثم يقومون بالدخول فى مناقصات وزارة التموين أو مناقصات التصدير للخارج، وحينما ترسى عليهم المناقصة يقومون بسحب الأرز من الفلاحين لإرساله للمضارب لتبييضه وتوريده، وبالمناسبة هم منظمون للغاية، من خلال شعبة الأرز فى اتحاد الصناعات المصرية، ويمثلون «لوبى» أو مجموعة أصحاب المصالح، وسبق أن شنوا حملة إعلامية مدفوعة فى محاولة مستميتة للإطاحة بى من الحكومة، لاعتراضهم على قرارات أصدرتها تهدف لخفض سعر الأرز.
■ وماذا كانت هذه القرارات.. وفى أى ظرف اتخذتها؟
- عندما جئت وزيراً للتموين استدعيت رئيس هذه المجموعة، وقلت له إنه ليس من المعقول أن يرتفع سعر الأرز من شهر إلى شهر، فأحياناً كانت الأسعار تقفز من 2000 جنيه إلى 4000 للطن فى مناقصات الوزارة التى تطرحها كل شهر، فى حين أنهم اشتروا الأرز من الفلاح بـ1500 جنيه للطن، فقال لى: «لأ يا باشا، المسألة عرض وطلب وانت سِيد العارفين»، فقلت له: «خلينا نلعب لعبة العرض والطلب بس ماتزعلوش»، فأتيت بموظفى الوزارة وقلت لهم إن النظام الذى تعملون بمقتضاه يتيح لهؤلاء التجار «مص دم الناس»، وأخبرتهم بضرورة إلغاء المناقصة الشهرية للأرز، لأنها تعنى ببساطة أن كل شهر سيكون هناك سعر جديد للأرز أعلى من سابقه، واستبدالها بمناقصة كل 3 أشهر، وهذا من شأنه تحقيق استقرار السعر خلال تلك المدة، ثم قمت بوضع نص فى المناقصة أنه إذا لم يُعجبنى السعر من حقى إلغاء المناقصة.
ثم طلبت من هيئة السلع التموينية شراء الأرز من الفلاحين مباشرة بدلاً من التجار الموردين، وقلت للموظفين المستفيدين من تشكيل اللجان الفنية للمناقصات 12 مرة فى السنة: «أنا هعوضكم»، ودبرت لهم من وزارة المالية 1.5 مليار جنيه لشراء مليون طن. ورغم أنهم لم ينجحوا سوى فى شراء 97 ألف طن فقط، إلا أن هذه الكمية كانت كفيلة بتحويل الوزارة إلى أكبر لاعب فى السوق. وفى الشهر التالى تم إلغاء المناقصة لأن الوزارة عرضت 3000 جنيه لتوريد الطن إلا أن التجار قالوا 3500، فألغيت المناقصة، وحينئذ دفعنا بما لدينا من مخزون فهبط السعر إلى ما دون الـ3000 جنيه. وهو ما أصابهم بالغضب والذعر، فقاموا بتحديد موعد مع الدكتور كمال الجنزورى، رئيس مجلس الوزراء آنذاك، لتقديم شكوى ضدى، واستعانوا بأحد مقدمى «التوك شو» المعروفين الذى خصص حلقة استمرت ساعتين ونصف الساعة لمهاجمتى، وفى النهاية فشلوا فى الإطاحة بى من الحكومة، وأنا أؤلف حالياً كتاباً حول تجربتى فى الوزارة لأوضح للناس أننى قمت بإدارة عدة أزمات كان من الممكن أن تتسبب فى نشوب ثورة فى الصعيد.
■ هل هناك «مافيات» فى السوق تحتكر سلعاً أخرى غير الأرز؟
- طبعاً، فالسكر واللحوم سلعتان فيهما احتكار فاحش، والدولة خرجت من هذا المجال، وهى تقوم فقط بدور «الدولة الراعية»، وقانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية «مُفصل» لصالحهم ولحمايتهم، فالقانون لا يرى مشكلة فى السيطرة على 65% من المعروض فى السوق، رغم أن هذا مرفوض منطقياً. وفى القانون ذاته هناك مادة تتيح للوزير التدخل بتحديد سعر السلعة لكن هذه المادة غير مفعلة، وكأنها غير موجودة، وهناك مادة أخرى تُلزم المنتج بالإعلان عن السعر، إلا أنها أيضاً غير مفعلة.