د. مدحت نافع خبير التمويل يكتب: مصر وطريق الحرير 5 حلقات وصل مهمة

كتب: د. مدحت نافع

د. مدحت نافع خبير التمويل يكتب: مصر وطريق الحرير 5 حلقات وصل مهمة

د. مدحت نافع خبير التمويل يكتب: مصر وطريق الحرير 5 حلقات وصل مهمة

أثناء زياراته لكازاخستان وإندونيسيا فى سبتمبر وأكتوبر عام 2013، دعا الرئيس الصينى «شى جين بينغ» إلى مشروع تطوير مشترك لما أطلق عليه «الحزام الاقتصادى بطول طريق الحرير» و«طريق الحرير البحرى للقرن الحادى والعشرين». الطريق والحزام هما مبادرتان كبريان تهدفان إلى تعميق جهود الإصلاح والانفتاح وتحسين دبلوماسية الجوار الصينية. تمت صياغة المبادرتين ضمن وثائق الاجتماع الثالث للجنة المركزية الثامنة عشرة للحزب الشيوعى الصينى واجتماع دبلوماسية الجوار، ومؤتمر العمل الاقتصادى المركزى، وتلقاهما المجتمع الدولى بكثير من الاهتمام.

بخلاف طريق الحرير القديم الذى تعود نشأته إلى العام 3000 قبل الميلاد! فقد تنوّعت المزايا المرجوّة من الطريق والحزام الجديدين، إذ لم تعد التجارة فحسب، وخاصة تجارة الحرير المقبلة من الصين (كأشهر سلعة تحكّمت فى تدفق التجارة بين الصين وسائر الدول على طريق الحرير آنذاك ولقرون عدة) هى الغرض الوحيد من تدشين المبادرتين، وتحويلهما بجهود دولية كبيرة ومشتركة إلى واقع على الأرض. تعددت الأهداف الجيوسياسية والدبلوماسية والتنموية المرجوة من المشروع الجديد، فالقرن الحادى والعشرون على ما فيه من صراعات إقليمية ما زالت مشتعلة هنا وهناك، يظل رمزاً للسلام والتعاون الدولى والإقليمى، وما يشكّله هذا التعاون من ضرورة ملحّة لتجاوز الكثير من التحديات. فطريق الحرير الجديد وحزام الدول المحيطة به ربما يمثلان أيقونة جديدة للسلام العالمى، والتعاون والانفتاح الحضارى، والاحتواء للثقافات المختلفة، وتبادل المعارف والعلوم، وتحقيق الاستدامة.

تغيرات عميقة تحدّق اليوم بالعالم الذى نعيش فيه، فمعدلات النمو، والتجارة والاستثمار، وتدفقات رؤوس الأموال.. كلها تتعرّض لتقلبات حادة على أثر تباطؤ الاقتصاد الصينى واقتصادات دول «بريكس» بصفة عامة، والتى تعد محرّك الاقتصاد العالمى الأول، وبروز نبرة حادة فى خطاب الإدارة الأمريكية الحالية تجاه محددات التجارة الدولية، وفرض مزيد من القيود على حركة الأموال والأفراد، هذا إلى جانب تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، والصعوبات الاقتصادية الكثيرة التى تواجهها دول الاتحاد. مبادرتا «الحزام» و«الطريق» تعملان على رسم خمس حلقات وصل (حددتها وثيقة للبعثة الصينية الدائمة فى الأمم المتحدة عام 2014)، وتركزان على التعاون القائم على النتائج والمشروعات، بما يحقق فوائد ملموسة لشعوب الدول الـ65 المستهدفة للانضمام إلى المشروع (وافق نحو 50 دولة إلى الآن).

حلقة الوصل الأولى: هى السياسات، حيث يتسنّى للدول المشاركة فى مشروع الطريق والحزام -وفى القلب منها مصر- مناقشة الاستراتيجيات والسياسات المتعلّقة بالتنمية الاقتصادية، والرامية إلى الوقوف على أرضية مشتركة لبلورة رؤية غير متنافرة -وإن تباينت- تجاه مختلف القضايا الدولية والإقليمية من خلال التشاور المستمر، وتنسيق الخطط التنموية، والبناء على التعاون القائم، من أجل تحقيق قدر من التكامل الاقتصادى بين الدول الأطراف.

حلقة الوصل الثانية: هى الطريق، فهناك مثل صينى يقول: إذا أردت أن تحقق ثروة فعليك أولاً ببناء الطرق، والكثير من الدول تشترك فى تلك الرؤية. تحسين جودة البنية الأساسية للنقل والمواصلات بين دول الجوار الآسيوية، وبينها وبين دول شمال أفريقيا مروراً بالشرق الأوسط وصعوداً إلى أوروبا والدول الأوروآسيوية هو أمر غاية فى الأهمية، ويبدأ عبر تحديد أهم العقبات والتحديات أمام تحقيق هذه الطفرة المرجوة.

حلقة الوصل الثالثة: هى التجارة، إزالة العوائق أمام التجارة والاستثمار مع تحسين الدورة الاقتصادية الإقليمية ودعم التعاون الدولى الإقليمى تظل أهدافاً مهمة للمشروع.

حلقة الوصل الرابعة: هى العملات الوطنية، فالنمو التجارى المطلوب من شأنه تعزيز عمليات تسوية المعاملات بين الدول المشتركة فى الحزام والطريق باستخدام العملات الوطنية، وعن طريق أنماط تبادل العملات currency swap schemes. هذا من شأنه تخفيض تكلفة التعاملات، وزيادة حجم التبادل، وتحسين تنافسية الإقليم كله، مع تعزيز فرص التعاون المالى الثنائى ومتعدد الأطراف، ويمكن أن ينشأ عنه إقامة مؤسسات مالية إقليمية تهدف إلى التنمية الإقليمية، وتكون أكثر فاعلية من مؤسسات التمويل الدولية القائمة.

حلقة الوصل الخامسة والأخيرة: هى الشعوب، فالأصل فى تحسين العلاقات الدولية هو تعميق أواصر الصداقة والتعاون بين الشعوب. هذا من شأنه تحسين فرص الحوار بين الحضارات، والحد من الصدام الحضارى والثقافى وبسط الهيمنة الذى تسعى إليه بعض الأيديولوجيات خلافاً لمفاهيم التعايش السلمى وقبول الآخر واعتناق قيم التنوّع التى تعززّها التجارة عبر العصور.

إحياء طريق الحرير والحزام، وموافقة مصر على المبادرة، يضع بلدنا على أعتاب نهضة إقليمية كبيرة، وعصر جديد تتشكّل فيه قوى اقتصادية واعدة، ويعيد اكتشاف ثروات مصر الكامنة فى موقعها المتميز فى القلب من العالم القديم، ويقضى على فرص نمو وانتشار الفكر المتطرف والإرهاب الذى لا ينمو أبداً فى بيئة حيّة مزدهرة ومتنوّعة. لطالما أكدت أن حماية حدودنا الشرقية وتنمية شبه جزيرة سيناء لن يكون إلا بخلق مصالح دولية وإقليمية مشتركة ومتعددة فى هذه البقعة الحيوية.

تتطلّع مصر من هذا المشروع إلى تنمية تجارتها الخارجية ودعم عملتها الوطنية وتخفيض عجز ميزان المدفوعات عبر زيادة صادرات الخدمات اللوجيستية وخدمات الترانزيت والسياحة، فضلاً عن جذب الكثير من الاستثمارات من آسيا وأوروبا لإقامة مراكز تجارية وخدمية لخدمة طريق الحرير، وذلك فضلاً عن العوائد الجيوسياسية والاجتماعية التى لا يمكن تقييمها مالياً.


مواضيع متعلقة