من «حسام حسن» إلى «محمد صلاح»

كرة القدم لعبة شعبية، تحظى بحب الجماهير فى كل دول العالم، ومصر من بينها، لكن أمر العلاقة بين المواطن وهذه اللعبة يختلف لدينا أشد الاختلاف. مَن تجول فى شوارع القاهرة، أو غيرها من المحافظات، مساء الأربعاء الماضى، لاحظ الحشود الكبيرة التى نزلت إلى الشارع عن بكرة أبيها لمشاهدة مباراة مصر وغانا، حين لم يكن فى مقدور ماشٍ أو راكب التحرك بسهولة بين الجموع التى تراصت أمام المقاهى، وأمام مواقع أخرى كانت تبث المباراة عبر شاشات عرض كبرى. بعد انتهاء المباراة كانت الفرحة ترتسم فى أعين الكثيرين، ذكّرتنى بفرحة شبيهة عاشها المصريون أيام مباراة مصر وهولندا فى كأس العالم 1990، يومها سمعت أحد المعلقين يقول إن «حسام حسن أشعل حماس أمة»، وكان «حسام» هو الذى تسبب فى ضربة الجزاء الشهيرة التى أحرز منها مجدى عبدالغنى الهدف الوحيد لمصر فى مسابقات كأس العالم، إن لم تخنى الذاكرة. محمد صلاح هو الآخر أشعل حماس الأمة المصرية بهدفه فى مرمى «غانا». أظن، وليس كل الظن إثماً، أن التفكير فى حال الأمة التى يشتعل حماسها بركلة أو نطحة أو رفسة من لاعب أمر مطلوب!.

ليس من العيب أن نحب الكرة، ونفرح لانتصارات منتخبنا الوطنى، فهو يمثل بلادنا، لكن الفرحة لا تعبر فى كل الأحوال عن وطنية، قدر ما تعبر عن أمور أخرى، من بينها، على سبيل المثال، التعصب، فما أكثر ما يسأل المصريون عن صاحب هدف النصر، وهل ينتمى إلى الأهلى أم الزمالك؟. سمعت بعض أناس ترد النصر على غانا إلى عبدالله السعيد، لاعب الأهلى، فى حين رده آخرون إلى مهارة «محمد صلاح»، دون وعى بأننا بصدد لعبة جماعية، مؤكد أن كل أعضاء الفريق يساهمون -بنسبة أو بأخرى- فى تحقيق الهدف المرجو منها فى هز شباك الخصم.

دعك من هذه النقطة فهى خطأ شائع فى كل مشجعى الكرة، وانتقل إلى نقطة أهم تتمثل فى التعليقات التى نسمعها بعد كل مباراة وتمتد لساعات طويلة ينبح فيها خبراء الرياضة أصواتهم فى تفكيك وتحليل كل حركة أو «باصة» قام بها لاعب فى المباراة، وما أكثر ما يدلى جمهور المشاهدين بدلوهم فى الأمر، فيتفقون أو يختلفون مع ما يسمعونه. بل قل إن كل مشاهد كروى فى مصر يقوم بأدوار عديدة -بالإضافة إلى المشاهدة- وهو بصدد متابعة أى مباراة، فمرة يقوم بدور المدرب، ويقترح تبديلات أو تغييرات، ومرة بدور الحكم، ومرة بدور المعلق. وظنى أن خبراء الاقتصاد والسياسة والتعليم والصحة لو حللوا المشاكل المرتبطة بمجالاتهم بنفس الذمة، وعبر الساعات المطولة التى يقضيها المحللون الرياضيون فى التعليق على مباراة، لاختلفت العديد من الأمور لدينا، ولأصبح حالنا أفضل. ولو اهتم المواطن بأى مجال من هذه المجالات -كما يهتم بمجال الرياضة- لاختلفت أوضاعنا.

من حق الناس أن تفرح للفوز فى مباراة، بشرط ألا يسقطوا فى دوائر الشطط، فيربطون بين اللعبة الشعبية والمسائل الوطنية، أو أمر الإنجاز على المستوى الوطنى، وغير ذلك. من الحكمة أن توزن أمور الحياة بميزان «دقيق»، وتقاس بأحجامها الطبيعية، دون تقعير أو تحديب!.