خفايا تحرير الهلال النفطى الليبى

جمال طه

جمال طه

كاتب صحفي

حكومة كرزاى ليبيا «الوفاق» كادت تسحب البساط تماماً من تحت قدمى البرلمان وحكومة طبرق وحفتر.. دخلت طرابلس، احتلت المقر الرسمى للحكومة، اشترت «ثقة» عشرات النواب، عينت وزير دفاع منافساً، أحدثت انشقاقات بالجيش الوطنى، بدأت بمجموعة حجازى المتحدث الرسمى، وانتهت بـ«قوة المهام الخاصة بمكافحة الإرهاب»، وكتيبة «الإسناد للمخابرات» ببنغازى، وضمتهما لقواتها.. كوبلر وظف معركة سرت للإيحاء بقيادة «الوفاق» لدولة وجيش قادرين على مواجهة الإرهاب، رغم اعتمادها على ميليشيات مصراتة، الذين فقدوا مئات الضحايا فى معركة تتعمد أمريكا إطالتها، تدخلت بالطيران، ومستشاروها فتحوا ممرات آمنة لخروج آلاف الدواعش، استعداداً للمشاركة فى معركة الحسم ضد حفتر، والتفرغ لمصر.. الجيش تحرك للمشاركة فى المعركة، كدفاع متقدم، وللحفاظ على دوره بالساحة، لكن قوات حرس المنشآت النفطية بقيادة إبراهيم الجضران قطعت الطريق، ومنعته من التقدم.

النفط محور الصراع القائم حول ليبيا، ومنطقة الهلال النفطى مركزه، تمتد من غرب بنغازى لشرق سرت، تضم 35 حقل نفط وغاز ومحطة تكرير، والشركات العاملة، وموانئ التصدير «الزويتينة، البريقة، رأس لانوف، والسدرة»، يحكمها الجضران، الآمر السابق لعمليات السدرة بحرس المنشآت التابع للجيش، ينتمى لقبيلة المغاربة ذات النفوذ بالمنطقة، استولى خلال ثورة فبراير 2011 على كميات ضخمة من أسلحة الجيش، مكنته من زيادة القوة التابعة له من 3 آلاف لـ12 ألفاً، انشق يوليو 2013، حاول القيام بدور سياسى بالدعوة لإنشاء إقليم فيدرالى ببرقة أغسطس 2013، لكنه فشل، فاستولى على الموانئ النفطية، وأوقف التصدير حتى يشركوه فى العائدات، عندما لم يلق تجاوباً حاول التصدير لحسابه بمعزل عن الحكومة مارس 2014، فتسبب فى الإطاحة بحكومة على زيدان، وأجهضت البحرية الأمريكية المحاولة، إغلاقه ثلاثة موانئ للتصدير، حرك ضده عدة قضايا أمام المحاكم الليبية والدولية.. زار البيضاء ديسمبر 2015، وطلب من الثنى رئيس الحكومة سداد مستحقات ميليشياته «170 مليون دولار» فى ابتزاز صريح، مما أثار الغضب فتم طرده.. ميليشيات «فجر ليبيا» التابعة للإخوان خاضت معارك عديدة ضد قواته للسيطرة على المنطقة، سحبت قواتها من سرت لحسم المواجهة، فاحتلتها داعش فبراير 2015، لكنها نجحت فى الاتفاق على تشكيل ميليشيات مشتركة مع حرس المنشآت، سيطرت على المنطقة منذ مارس 2015.

المؤسسة الوطنية للنفط تعرضت للتقسيم، فرع طرابلس يتبع حكومتها، وببنغازى تابع للبرلمان، «الوفاق» طمعت فى السيطرة على مقدرات الثروة، ودمجها ضمن الاقتصاد الوطنى الذى تسعى لإدارته، قدمت تنازلات خلال مفاوضات بتركيا انتهت بتوحيدها يوليو 2016، كوبلر التقى الجضران براس لانوف، واتفقا على فتح موانئ التصدير بمقابل مجزٍ لقواته، حكومة طبرق والبرلمان عارضاه بشدة، وكذا مؤسسة النفط، والمجلس الأعلى لمناطق حوض النفط والغاز والمياه بالواحات، واعتبروه مكافأة على إغلاق الموانئ، وتكبيد الدولة 100 مليار دولار خسائر، ما يغرى باقى الميليشيات بعرقلة عمليات النفط، وبالفعل أوقف الفرع الجنوبى لحرس المنشآت ضخ بترول آبار الجنوب نهاية أغسطس 2016، طمعاً فى مكاسب مماثلة.. كوبلر استشعر نية حفتر اجتياح المثلث النفطى، حاول تثبيته باقتراح تشكيل هيئة عليا لقيادة الجيش، تضم عقيلة صالح رئيس البرلمان، والسراج رئيس المجلس الرئاسى، وحفتر، واثنين من أعضاء المجلس الرئاسى، لكن البرلمان تمسك بتغيير الواقع العسكرى على الأرض، لاستعادة التوازن السياسى.

إدارة المعركة تستحق الإشادة؛ المناورات السياسية نجحت فى تعطيل تصويت البرلمان بالثقة لحكومة «الوفاق»، وانتهت بالرفض بأغلبية 61 صوتاً وامتناع 40 نائباً، مما أبطل حجية ما جمعته من موافقات فردية خارج نطاق البرلمان، صالح اجتمع بمشايخ قبائل المغاربة والعبيدات والعواقير المنتشرين بالهلال النفطى، الذين ينتمى إليهم معظم أفراد حرس المنشآت، وكسب تأييدهم، وتعهدهم بمنع أبنائهم من مواجهة الجيش، ما زال النظام القبلى الملجأ الحكيم للمصالح الوطنية عند تنازع الأشقاء، وغياب السلطة المركزية.. زيارة حفتر للقاهرة وضعت النقاط على الحروف لخطة «البرق الصاعق»، ولقاءاته فى موسكو ضمنت مواجهة التحركات الغربية فى مجلس الأمن الدولى، زيارة كوبلر لروسيا حاولت إفشال مساعى حفتر، لكنها فشلت.. الجيش الوطنى استرد الهلال النفطى لحماية مقدرات ليبيا الاقتصادية من نهب الاستعمار الجديد المتواطئ مع التنظيمات المسلحة، وفتح الطريق نحو سرت، والاقتراب من طرابلس، فى تزامن مع انتقادات البرلمان البريطانى لكاميرون بسبب استناد تدخله العسكرى 2011 لـ«افتراضات خاطئة»، ما كشف أوراق الاستعمار الجديد.. الجيش حقق نصراً عسكرياً وسياسياً سريعاً وحاسماً أعاد الثقة والتأييد الشعبى، وأجهض المؤامرة الغربية، حكومة طبرق طلبت من مؤسسة النفط تسلم المنشآت والموانئ، وممارسة مهامها المتعلقة بالصيانة والتشغيل والتصدير وعقد الصفقات، بعد أقل من 48 ساعة من السيطرة على المنطقة وتأمينها بقوات تابعة للجيش، مما حد من مبررات قلق الغرب، وتهديداته، خاصة أن إدارة مصر للمعركة الدبلوماسية بمجلس الأمن أبطلت المحاولات الأمريكية لاستصدار قرارات مضادة.

الموقف تحت السيطرة، لكن الطرف الآخر لن يستسلم بسهولة، فهى معركة الثروة والنفوذ، الجضران دعا مقاتليه لشن عملية «الوهم المتبدد» لاستعادة المنطقة، واستعان بـ«سرايا الدفاع عن بنغازى» التابعة للقاعدة لتعويض انسحاب معظم مقاتليه، ومحمد صوان، رئيس حزب العدالة والبناء، «إخوان ليبيا» اجتمع مع عبدالرحمن السويحلى، رئيس مجلس الدولة الزعيم الروحى لميليشيات مصراتة، لبحث إمكانية استرداد المنطقة.

معارك ظهيرنا الغربى تستهدف مصر قبل ليبيا، والسيسى قبل حفتر.. العملية الخاطفة الأخيرة لفتت الأنظار إلى أن القاهرة بدأت تكشر عن أنيابها، صالح بالقاهرة منذ 8 سبتمبر، يتابع تنفيذ الخطة «بعقول مصرية»، السراج وصل 15، كوبلر لحق به 16، ومبادرة لتشكيل حكومة جديدة تضم 3 وزراء من «الوفاق»، و3 من «المؤتمر المنحل»، و3 من حكومة «طبرق»، واختصار المجلس الرئاسى لـ3، السراج يمثل الغرب، ونائبين للشرق والجنوب، وتوحيد الفصائل ضمن جيش يتولى حفتر قيادته العامة.. مجرد بداية لحلحلة الأزمة، وتعديل الاتفاق السياسى، أما النتيجة الأهم، التى عبرت عنها مظاهرات الجماهير الليبية تقديراً للجيش والدعم المصرى، وتصريحات مرشحى الرئاسة الأمريكية إبان مقابلاتهم للسيسى من تقدير لدور مصر، فهى أن حسابات التوازن الدقيقة قيدتنا كثيراً، وحدَّت من دورنا الإقليمى، وجرأت علينا الأقزام.. أمريكا تزود داعش بالدعم جواً، وتدعى الخطأ، وتقصف القوات السورية عمداً، وتعتذر.. مصر لعشرات السنين فرضت حساباتها على الغرب بحسن المبادرة والقرارات الحاسمة المدروسة، فمتى نتخلص من حسابات التوازن المعوقة، ونتحرك بجرأة محسوبة فى نطاقات أمننا القومى، قبل أن نفاجأ بمعركة خاسرة نُجبَر على خوضها داخل حدودنا؟!