قبل رفع أسعار الكهرباء

حازم منير

حازم منير

كاتب صحفي

يتفق الجميع فى مصر على أن سياسات الدعم المطبقة غير عادلة، وأن غير المستحقين هم المستفيدون الحقيقيون من استمرار الأوضاع الحالية، كما يتفق الجميع على خطورة المرحلة وأهمية معالجة الخلل فى الموازنة العامة للدولة، وإلغاء الدعم فى بعض القطاعات أو إعادة النظر فى نظام توزيع الدعم بما يقلل من الإنفاق العام ويحقق عدالة اجتماعية حقيقية ويضمن تطويراً وصيانة فعلية للخدمات القائمة بما يتيح تنمية دائمة من جهة وتلبية احتياجات الناس المتزايدة بشكل متواصل.

ومن ضمن مكونات برنامج الحكومة، تخفيض مخصصات الدعم فى قطاعات الطاقة ومنها البترول بمشتقاته والكهرباء، وللحقيقة فإن قدرة ميزانية الدولة على تحمل استمرار الأوضاع القائمة لم يعد ممكناً، وأن تحريك أسعار هذا القطاع وتقليص الدعم الموجه له بات أمراً طبيعياً، ولكن هناك أسئلة حقيقية يجب تقديم إجابات لها قبل بدء تطبيق هذه السياسات.

تعتمد الأسعار الجديدة للكهرباء التى أعلنت عنها الحكومة على قياس استهلاك الناس وفقاً لمستويات متنوعة ولكل مستوى منها كلفة مالية وسعر محدد، سيتم التعامل مع الناس على اختلاف مستوياتها، كل بحسب استهلاكه لتحديد القيمة المطلوب سدادها وفقاً لشريحة الاستهلاك.

السؤال الأول هو: هل تمتلك الحكومة عدداً كافياً من الموظفين لمراجعة عدادات الاستهلاك المنتشرة فى البلاد وعددها 30 مليون عداد، تحتاج لما يزيد على 500 ألف كشاف لمراجعة هذه العدادات وتحديد قيمة الاستهلاك الحقيقية؟ أم سنستمر فى نظام التقييم العشوائى بالبركة، لتزداد عمليات الامتناع عن السداد وتتسع المساحات بين المستهلكين والدولة مع زيادة أسعار شرائح الاستهلاك.

السؤال الثانى: كم تبلغ أعداد العدادات الكودية «سابقة الشحن» التى انتهت الحكومة من تجهيزها وطرحها فى الأسواق؟ وكم بلغت نسبة الإقبال عليها؟ وكم عدد الوحدات التى تستخدمها حالياً حتى تستطيع الحكومة أن تحدد على سبيل القطع المناطق الآمنة والمناطق المرتبكة فى عمليات الاستهلاك وسداد القيمة.

السؤال الثالث: حسب تصريحات مسئولين كبار فإن نحو 50% من المستهلكين لا يسددون قيمة فواتير استهلاك الكهرباء، وأغلبهم فى العشوائيات والمبانى المخالفة أو الريفية، والسبيل الوحيد أمام الحكومة فى مواجهة هذه الظاهرة هو تركيب هذا النوع من العدادات، فهل وضعت الحكومة خطة زمنية للتعامل مع هذا الواقع وتطويره؟ أم اكتفت بكتابة مذكرات والإعلان عنها دون وضع خطة تنفيذية زمنية لتحقيق هذه المستهدفات؟

العديد من الأفكار المقبولة والجيدة تفشل لسوء التخطيط وغياب أدوات التنفيذ، والإدارة المصرية معادية لمناهج البحث العلمى والتخطيط والأبحاث الرقمية، وكثيراً ما تصطدم خططها بالواقع لغياب رؤية تنفيذية متكاملة تحقق التطوير المنشود وتقلل وتحاصر التداعيات السلبية الناجمة.

والمشكلة عندنا هو ذلك التراث العميق من شك الناس فى حكوماتهم وقراراتها، فقد بنيت العلاقة بين الناس والحكومات على التسلط وفقدان الثقة وغياب المصداقية، ولا يقتنع الناس بما تعلنه الحكومة، ودوماً ما يبحثون عن جوانب سلبية مستترة وراء المواقف المعلنة.

اعتقادى أن رفع أسعار شرائح استهلاك الكهرباء دون توافر الأدوات المساعدة فى قياس استهلاك الناس بدقة، وفى غياب أدوات تستعيد الثقة فى ما ستحدده الحكومة من حجم استهلاك لكل أسرة، ربما يؤدى لمشكلات عديدة.. أتمنى أن أكون مخطئاً فى تقديرها.

راجعوا أنفسكم وحددوا قدرتكم الحقيقية على محاسبة الناس وفقاً لاستهلاك حقيقى وليس عشوائياً قبل تنفيذ قرار رفع الأسعار.