السياسات الغربية والإرهاب

وفاء صندى

وفاء صندى

كاتب صحفي

بعد الأحداث الإرهابية المتكررة فى فرنسا والعالم، بات واضحاً أن الإرهاب يريد أن يسوق لنفسه بأنه الأقوى والأشرس، مستغلاً فى ذلك ثغرة خلقتها السياسة الأوروبية والغربية، بصفة عامة، من خلال إقصائها للمهاجرين من الجيل الثانى ومعاملتها لهم كأنصاف مواطنين بأنصاف حقوق.

لا بد ونحن نرصد ظاهرة الإرهاب التى باتت تخلق غيمة شديدة السواد فوق سماء العالم أجمع أن نقف عند أسبابه، فالمعالجة العمودية لهذه الآفة لن تحل المشكلة، حتى وإن نجحت أسلحة العالم المختلفة فى ضرب داعش والقضاء على مواطنه، لكن الحل الأنجع يكمن فى القضاء على الأسباب التى أدت إلى خلق الإرهاب وخلق داعش وأخواتها.

بعد عملية 11 سبتمبر فى أمريكا وما تلاها من أحداث انتهت بإعلان الحرب على العراق الذى تمزق كلياً بعدما وضع الغزو الأمريكى حجر الأساس للإرهاب عندما احتل الأرض وحل الحرس والجيش والأمن العراقى، ونهج سياسات طائفية أججت الكره والانتقام، لم يكن البديل سوى ميلاد الدولة الإسلامية فى العراق، وبعد أحداث 2011 لا تزال سوريا تتطاحن ويقتل أبناء الوطن بعضهم بعضاً بعدما حطت الحرب أوزارها، حيث لا تزال سوريا بعد عامها الخامس محطة للتجاذبات الإقليمية والدولية، ومرتعاً للتنظيمات الإرهابية وعلى رأسها داعش، أما اليمن فقد تدمرت بعدما سقطت مرة فى يد القاعدة ومرة فى يد الحوثيين ومرة ثالثة فى يد قوى التحالف، وليبيا التى وصلها التغيير على متن طائرات الناتو، التى وزعت ملايين الأسلحة على المعارضة الليبية، بالإضافة إلى الأطنان التى تم تهريبها من المخازن الليبية، فقد قذف مع كل صاروخ بذرة إرهاب نمت وتضخمت حتى تحولت ليبيا إلى فاشلة وحاضنة للإرهاب ومصدرة له، مما يشكل خطراً على المنطقة والعالم.

المنطقة لم تقع فقط ضحية المشاكل الداخلية من فقر وغياب العدالة الاجتماعية والجهل والتغييب، ولكن أيضاً ضحية التدخلات الأجنبية والسياسات الاستعمارية، التى تدفع أوروبا اليوم ثمنها غالياً.

سقوط نظام صدام نزع عموداً من جدار الأمن العربى وخلق معادلات وتوازنات إقليمية جديدة لفائدة تركيا وإيران، وسقوط نظام القذافى أسقط عموداً آخر فى المعادلة الإقليمية، تريد قطر وتركيا؛ التى تعيش حالة عارمة من الفوضى، بعد انقلابها الفاشل، ستؤثر بشكل أو بآخر فى مستوى تدخلها فى المنطقة؛ استغلالها اليوم لصالح الإسلام السياسى من خلال مساندة القوى الظلامية والجماعات المسلحة، وعلى رأسها داعش، ولو على حساب أمن المنطقة. وأمن المنطقة من المغرب إلى الخليج بات فى خطر حقيقى مع الانتشار المستمر لفكر ومقاتلى داعش، والحديث الدائم عن تفكيك خلايا إرهابية، وما يمكن أن ترتكبه من جرائم وحشية لن تنتهى إلا بتمزيق المنطقة، وافتعال حرب مدمرة على الجغرافيا العربية بدافع محاربة «الإرهاب».

الإرهاب تمكن من الدول المأزومة فى المنطقة العربية، ومنها تمكن من استهداف وضرب أوروبا، انتقاماً من سياساتها العنصرية والإقصائية، حيث يتعرض المهاجرون باستمرار لملاحقات سياسية ومضايقات اجتماعية وهجوم ثقافى لمجرد كونهم مسلمين، وهناك من يصر دائماً على تحويلهم إلى أقليات تشكل عالة على المجتمع الفرنسى وتهدد نسيجه الوطنى فى تكرار لنفس النقاش حول «الهوية»، التى سبب الخوض فيها مآسى فى القرن الماضى، بعدما تُركت الساحة الثقافية والاجتماعية لمجموعة من المتعصبين أمثال الصحفى إريك زمور والروائى ميشيل أولبيك والكاتب رينو كامو ممن يقدمون أنفسهم كمفكرين فى مواجهة ما يعتبرونه «التغلغل الإسلامى فى فرنسا» ويتباهون بكونهم حراس الثقافة الفرنسية، فى إعادة لنفس سيناريو اضطهاد اليهود قبل الحرب العالمية الثانية.

التطرف السياسى والتطرف الفكرى والتوظيف الخاطئ للحرية مع التحريض الثقافى ضد المسلمين وشيطنتهم كل ذلك كان كفيلاً بخلق مناخ للعداء وتبنى أفكار انتقامية وإرهابية ضد فرنسا من طرف أبنائها المسلمين الذين ولدوا وتربوا ودرسوا وعانوا التمييز أو التهميش على أرضها، وما تعيشه أوروبا من حرب نفسية وتهديد إرهابى قوى يجعلها أمام حتمية معالجة موضوع المهاجرين ليس بالإقصاء ولكن بالإدماج، وأيضاً معالجة قضية الإسلام ليس باستهداف المسلمين ومقدساتهم وشن هجوم على أماكن عبادتهم أو الترويج لفكرة ترحيلهم (غير القابلة للتنفيذ أساساً)، ولكن بتبنى مفاهيم حضارية منفتحة وحداثية، كما دافع عن ذلك الكاتب الفرنسى إدوى بلنيل فى كتابه «من أجل المسلمين»، تكرس فعلاً لـ«استثنائية فرنسا» كما تدعى، وعدم تركه (ملف الإسلام) لمجموعة من المنظرين أو السياسيين المتطرفين الذين يستغلون هذا الموضوع من باب التوظيف السياسى.

يجب على قوى العالم أن تعترف أن الإرهاب هو صناعة يشترك فيها الجميع، الإرهاب لم يولد من فراغ، وهو ليس فعلاً مستقلاً بذاته، ولمواجهة هذا الخطر واقتلاعه من جذوره يجب البدء أولاً بالوقوف عند أسبابه وتحليلها وتصحيح اختلالاتها، فلا يكفى أن يندد العالم أجمع بالإرهاب أو داعش ولا يكفى أن يعلن الحرب عليهم، بينما هو فعلاً أحد صناعه أو داعميه أو مموليه، ولا يكفى حمل شعارات ضد التطرف، والتطرف الدينى بالتحديد، بينما العالم أجمع صار متطرفاً فى أفكاره وسلوكه وسياساته ومتطرفاً فى الدفاع عن توسعاته ومصالحه، ولنا فى فلسطين وأفغانستان والعراق وليبيا وسوريا واليمن ألف مثال.

الإرهاب يستهدف العالم ككل معلناً الحرب عليه ومتحدياً سياسته القائمة على مواجهة الإرهاب فى عقر داره حتى لا يصل خطره إلى الغرب، فالإرهاب تمدد جغرافياً وتقوى إعلامياً وبات يحارب العالم بنفس الأسلحة التى زوده بها بالأمس، فالإرهاب شئنا أم أبينا نبتة خبيثة خرجت من بطن صراعات القوى الإقليمية والدولية وحرب المصالح التى يخوضونها، كما أنه خرج من رحم الفقر والإقصاء والتمييز والتحقير والسياسات الاستعمارية أينما كانت.