كيف وصلنا إلى اللغة العربية المعيارية؟ - الجزء الأول: الكتابة

أشرف فوزي

أشرف فوزي

كاتب صحفي

يواجه الباحثون في تأريخ اللغة/اللغات العربية مشكلة ضخمة؛ ألا وهي وجود نقص كبير لنصوص أو نقوش قديمة تساعد في رسم تاريخ تلك اللغة مقارنة بالعديد من لغات العالم الكلاسيكية الأخرى، وربما كان هذا راجعا إلى أن الثقافة العربية - على الأقل في قلب الجزيرة العربية قبل الإسلام - لم تكن "ثقافة كتابية" بل كانت بالأحرى "ثقافة شفاهية" بالأساس، وإن لم تكن معرفة الكتابة غائبة بالكلية عنها. أطول آيات القرآن تتوجه للمسلمين بالأمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن:

1- توثيق الدَّين في صورة مكتوبة كان عرفا متبعا.

2- كان ثمة أناس وظيفتهم الاجتماعية هي "الكتابة"، أو ما يُعرف بـ"الكَتَبة".

ويؤكد ذلك حقيقة وجود عدد كبير من "كَتَبة الوحي" بين أصحاب النبي محمد. لكن تلك الكتابة، التي تطورت على أرجح الآراء عن الكتابة الآرامية النبطية (انظر صورة توزيع الأبجدية النبطية في Unicode)، كانت في مرحلة بدائية بكل تأكيد، وكان بها العديد من المشاكل العميقة، وسنذكر بعضا منها فيما يلي.

مبدئيا كانت الكتابة النبطية "أبجدية Abjad" وليست "ألفباء Alphabet"، وهما طريقتا كتابة تختلفان في شيء أساسي، ألا وهو "كتابة الحركات"؛ إذ إن "الألفباء" في المصطلح الأكاديمي يشير إلى نظام فيه تمثيل كتابي للصوامت والحركات معا، بينما "الأبجدية" (وهي الأصل بالمناسبة) فتمثل الأصوات الصامتة دون الحركات.

والأبجدية العربية - كأخواتها من اللغات السامية - كانت تفتقد إلي رموز كتابية تمثل أصوات الحركات. صحيح أن العربية طورت - حتى قبل الإسلام - وظيفة بعض الحروف لتصبح ذات وظيفة تمثيلية مزدوجة: صوامت وحركات طويلة، وتلك الحروف هي الألف والواو والياء، أو ما يدعوه اللغويون العرب "حروف العلة/المد/اللين"، ولكن بقي تمثيل الحركات القصيرة غائبا.

كذلك افتقدت تلك الكتابة العربية الناشئة أحيانا إلى رموز تفرق بين الحروف المتشابهة الشكل لكنها كانت تمثل أصواتا مختلفة كالجيم والحاء والخاء مثلا، التي كانت تكتب كلها "ح".

كما كان هناك مشكلة أخرى مرتبطة بكتابة "الهمزة" وعلاقتها بحرف الألف، والسبب راجع بالأساس للفارق بين نطق لغات نجد والحجاز - كما أشرنا من قبل؛ فأغلب القبائل النجدية كانت تنطق الهمزة (وهو ما يعرف في التراث العربي بـ"النبر") بينما القبائل الحجازية - ومنها قريش قبيلة نبي الإسلام - لم تكن تنطقها إلا في أوائل الكلام غالبا، فقبائل نجد كانت تقول: "رأس وشؤم وبئر" بينما تقول قبائل الحجاز "راس وشوم وبير" كما نفعل نحن اليوم في كلامنا في مصر. ولأن أهم وأكبر أثر مكتوب بالعربية الكلاسيكية (أعني القرآن) كتبه حجازيون فقد كانت صوت "الهمزة" غير ممثل كتابيا.

وسننتظر حتى يأتي أبو الأسود الدؤلي (توفي سنة 69 هـ) ليقوم بأول محاولة جادة لتطوير الكتابة العربية بإضافة نقاط أعلى الحروف وأسفلها للتمييز بينها وبين بعضها، كما وضع نقاطا بلون مختلف للإشارة إلى الحركات. كان الأمر معقدا بعض الشيء ويصعّب عملية القراءة نفسها، لكن الهدف كان أسمى من ذلك: الحفاظ على القرآن من "لحن" العرب - وخاصة "المولَّدين" منهم، أي الذين دخلوا الإسلام ولم تكن العربية لغتهم الأم.

وسيأتي بعده أحد أهم أعلام اللغة العربية الخليل بن أحمد الفراهيدي (توفي سنة 110 هـ) الذي سيحسّن إضافات أبو الأسود الدؤلي بتحويل رموز الحركات إلى شكلها المألوف لدينا اليوم (ــَـ ــُـ ــِـ) وهي إشارات مصغرة لحروف الألف والواو والياء وإضافة رمز الشدة (ــّـ) المأخوذ من حرف الشين (غير المنقوط أو "المُعجَم") وكذلك رمز "الهمزة" (ء) أو ما أسموه "القُطْعة" لأنها اقتُطِعت من حرف العين (ع).

كان تطور الكتابة العربية جزءا مهما - بل وأساسي - من تطور اللغة العربية ككل نحو كونها "لغة معيارية"، فأحد أوجه تمييز "اللغة المعيارية" عن ما دونها من لهجات هو في كونها لغة "الكتابة والأدب الرفيع" و كونها اللغة التي تستخدمها "الدولة" في معاملاتها "الرسمية" مع رعاياها/مواطنيها أو مع غيرها من الدول. هذا التطور سيبلغ أوْجَهُ لاحقا مع ما بدأه الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (تولى الخلافة بين عامي 65 هـ - 86 هـ) وعرف تاريخيا بـ"تعريب الدواوين" أي تحويل كل معاملات الدولة الإسلامية ومكاتباتها إلى اللغة العربية.

فقد كانت دواوين البلاد المفتوحة مستمرة على حالها ولغتها كما كانت قبل دخول الإسلام تلك البلاد؛ فكانت دواويين الشام تكتب باللغة اليونانية ودواويين مصر تكتب باللغتين اليونانية والقبطية ودواويين العراق باللغة الفارسية (الپهلوية) ودواوين إفريقية باللغتين اليونانية واللاتينية. وصاحب ذلك ازدهار فنون الخط العربي، وتحوله إلى أحد أبرز معالم الثقافة العربية الإسلامية.

تاريخيا، كان هذان التطوران (الكتابة وتعريب الدواوين) عاملين أساسيين من عوامل أخرى (سيأتي الحديث عنها) في الوصول إلى مرحلة "اللغة العربية المعيارية" أو ما يُعرف بـ"اللغة الفصحى".وللحديث بقية.. إن كان في العمر بقية.