تيران وصنافير إنذار خطير

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

«هل تحب تيران وصنافير قوى، أم نصف نصف، أم لا تحبهما خالص؟».. سؤال استقصائى استنفارى استفزازى استغضابى استسخاطى استثارى، وليست مبالغة إن تم وصفه بـ«الانتحارى». بداية توضيحية: هذا المقال ليس عن «تيران وصنافير» الجزيرتين، لكنه عن «تيران وصنافير» دراسة حالة كاشفة عما أصاب شعباً وحكومة وإعلاماً ومعارضة وسياسة وحقوقيين ونشطاء وكل ما يمكن وضعه فى جعبة وطن أصابه ما أصابه من صنوف النعوت التى تبدأ بكلمةHyper بمعناها الدال على الإفراط والإسراف والمبالغة والمباهظة. فى خضم العك الليلى والهرى النهارى الدائرين حول «تيران وصنافير»، تفتق ذهن مؤسسة إعلامية عن طرح سؤال على القراء مفاده «هل تيران وصنافير مصريتان أم سعوديتان؟»، واندفع القراء يدقون لوحات الشاشات بين مؤكد أنهما مصريتان، وجازم بأنهما سعوديتان. وكان الأجدر أن تسأل المؤسسة كذلك عن سبب اختيار هذه الإجابة أو تلك، مع ذكر الأسانيد والأحاجيج كما كان يطلب منا فى امتحان الدراسات الاجتماعية. سؤال المؤسسة الإعلامية بهذا الطرح يكشف وجه مصر الـ«هايبر» عاطفى والـ«هايبر» اندفاعى والـ«هايبر» اختيارى والـ«هايبر» معلوماتى. ومضى السؤال مرور الكرام دون أن يدعو الباحثون والعلماء إلى لطم الخدود وضرب الصدور حزناً على هذا التوغل على عملهم دون وجه حق. وربما لم يفعلوا ذلك لأنهم كانوا يتوقعون أن المقبل أفظع وأشنع. فقد خرج مركز أبحاث يكاد يكون الوحيد الذى يقوم بعمل قياسات للرأى العام والتوجهات مفاده أن 30 فى المائة من المصريين يرون (لاحظ كلمة يرون) أن الجزيرتين مصريتان، وأن 23 فى المائة يرونهما سعوديتان، وقال 31 فى المائة إنهم لا يعرفون إن كانتا مصريتين أو سعوديتين، فيما لم يسمع 16 فى المائة بأمر الجزيرتين من قبل. وتستمر مأساتنا الكبرى التى ألمت بأغلبنا، باستثناء الفئتين الأخيرتين، تلك التى قالت إنها لا تعرف، وهى فضيلة لو تدرون كبرى وعظمى وقصوى. فالمصريون الذين قالوا إنهم لا يعرفون يمثلون فئة لا تفتى ولا تنطق عن هوى ولا تضرب كرسياً معلوماتياً فى كلوب الجهالة. كذلك الحال للفئة التى تليهم، والتى لم تجد حرجاً مصرياً أصيلاً أو ميلاً فطرياً غريباً فى أن تدلو بدلوها فى كل كبيرة وصغيرة. فما أسهل أن تقول إنهما مصريتان، أو تؤكد أنهما سعوديتان، أو حتى تفتح باباً جديداً وتلوح بأنهما هنديتان أو إكوادوريتان أو حتى تشاديتان مثلاً، وذلك على سبيل تصعيد الهرج والمساهمة فى المرج. قضية الجزيرتين -التى تم إخراجها بطريقة بالغة السوء سواء كانتا ملكنا أو ملكاً لهم- كشفت عن عوار ثقافى مريع وفيروس اجتماعى رهيب وجرثومة حلزونية تضرب ذات اليمين وذات اليسار دون أن يتنبه لها أحد. الجميع يفتى، ويؤكد، وينفى، ويندد، ويشجب، ويهدد، ويطمئن، ويشعلل بناء على مشاعر.. هذا يشعر أنه يحب مصر فيقول كذا. وذاك يشعر أنه حانق عليها، فيؤكد كذا. وهؤلاء يرونها فرصة لتحقيق مآربهم، فيفعلون كذا. وأولئك يتحينون الفرصة للقفز على حكمها، فيتصرفون هكذا. والمصيبة أن الغالبية المطلقة اعتمدت اعتماداً كلياً على حالتها المزاجية، وميولها النفسية، وعقائدها الاجتماعية، وأيديولوجياتها السياسية فى اتخاذ الموقف والإفتاء فى المسائل. وتساوى فى ذلك المواطن العادى والإعلامى النابه والسياسى البارز والخبير الساطع والمحلل الشاطر. (وأعود وأكرر أن الحديث هنا ليس عن الجزيرتين ولكن عما كشفتاه فى تركيبتنا) كيف ومتى ولماذا ابتعدنا عن العلم والمنطق بهذا الشكل؟ وكيف ومتى ولماذا كرهنا البحث والتقصى إلى هذا الحد؟ وكيف ومتى ولماذا سمحنا لأنفسنا بأن نهين العقل ونزدرى الفكر ونعادى القرن الـ21 بهذه الطريقة؟ أى محطة نووية تلك التى نريد أن نبنيها؟ وأى مدن علمية تلك التى نخطط لها؟ وأى عاصمة جديدة تلك التى نختلف ونتفق عليها؟ وأى مراكز بحثية تلك التى نرممها؟ وأى بلد هذا الذى نتغنى به ونبكى على ما أصابه ونعاير بعضنا البعض باعتبار أن الفريق المضاد هو من تسبب فى انتكاسته؟ وأى مستقبل أصلاً نمسك فى خناق بعضنا البعض من أجل أن يحكمه هذا أو يتحكم فيه ذاك؟ لقد كشفت «تيران وصنافير» أننا نكره العلم كرهاً شديداً ونمقت البحث مقتاً كبيراً، ونعادى المنطق عداءً لا حدود له. وأعود وأتذكر الجملة المخيفة التى كتبها أحدهم بخط جميل على أحد الأعمدة فى منطقة بولاق أبوالعلا فى أعقاب ثورة يناير «نحب الموت والشهادة كما يحبون هم الحياة» مذيلة بـ«لا إله إلا الله محمد رسول الله». أغلب الظن أننا منذ تم تدينا بدين «اكره حياتك واستعجل مماتك» و«ادخل الحمام بالرجل اليسرى» و«ردد دعاء الركوب وأنت طالع المترو» و«قل دعاء النزول وأنت نازل» بديلاً عن الدين الأصلى، ونحن نمضى قدماً فى حياة لا أساس لها سوى أنها أيام وتمضى بالطول أو بالعرض. نتعجل الموت لأننا فقدنا كل منطق فى الحياة، وسُلِبت منا كل متعة من متع العلم والفكر والجمال والتذوق، فخُيل لنا (أو بالأحرى أطلقوا علينا من أجبرنا على أن نتخيل) أن ما الدنيا إلا غوغائية وعشوائية وفوضوية لا مجال للعلم فيها. والمصيبة أن ذلك جاء إلينا مغلفاً بعباءة دينية جميلة وجهتنا إلى أن نكره الحياة، تارة بتسويدها وأخرى بنزع المنطق منها، فانتفع من انتفع فبالغ فى الفساد، واستفاد من استفاد فخطط وتآمر وسيطر على ما تبقى من أدمغتنا. تيران وصنافير إنذار خطير.