ختان البنات: جزارة لا طهارة.. وعادة لا عبادة

كتب: خالد منتصر

ختان البنات: جزارة لا طهارة.. وعادة لا عبادة

ختان البنات: جزارة لا طهارة.. وعادة لا عبادة

أرى بنات عائلتى يسقن إلى مصيرهن وكأنهن ذاهبات إلى السلخانة، كبر السؤال وتضخمت علامة الاستفهام عندما التحقت بكلية الطب وعرفت أن هذه الجزارة البشرية التى يمارسها المصريون مع بناتهم لا تمت لعلوم الطب بأى صلة، وتيقنت وتأكدت من أن العرف والعادة والتقاليد والخرافة أحياناً ما تكون أقوى من المصلحة وأعلى صوتاً من المنطق وأشد إقناعاً من الحقيقة العلمية الواضحة، وتساءلت لماذا تدلف بناتنا من عتبة الطفولة إلى باحة أجمل سن وهى سن المراهقة عبر نافورة من الدماء؟! وكيف نسمح لأنفسنا بممارسة كل هذه السادية بتقطيع أجسادهن وبتر أعضائهن؟ ولماذا تتضخم لدينا غدة الوصاية وننصّب من أنفسنا حماة للأخلاق المزيفة التى لا يمكن أن تصنعها مجرد «جلدة» اسمها البظر، ولكن تصنعها منظومة كاملة من القيم يعلّمها لنا الدين وتلقنها لنا الأسرة ومؤسسات المجتمع؟ ولماذا أصبحت لدينا عقدة من ممارسة البهجة ووسواس قهرى من شعور الفرحة ورعب وفزع من النشوة ومصادرة لحق إنسانى مشروع وهو حق الاستمتاع بالجسد بكامل طاقاته التى خلقها الله بداخلنا؟! كل هذه الأسئلة وغيرها توالدت فى رأسى، ووجدت أنه لا مفر من طرحها على صفحات «الوطن» حتى يواجه المجتمع نفسه فى المرآة ويرى تجاعيده بكل تفاصيلها وملامحها، فطرح الأسئلة أحياناً يكون أهم من الإجابة نفسها، وقليل من الاستفزاز العقلى فى مثل هذه القضايا يكون مفيداً، ولذلك كان لا بد من مناقشة هذا الموضوع من كافة جوانبه المتعددة المتشابكة، فختان البنات أو ما يسميه العالم حالياً البتر التناسلى للإناث، ليس مشكلة طبية أو دينية أو اجتماعية فقط، ولكنها حاصل جمع هؤلاء جميعاً ونتيجة تفاعل تلك العوامل، بحيث تعد مناقشة عنصر من هذه العناصر منفرداً نوعاً من الغش والخداع. {left_qoute_1}

 

جغرافياً: مصر ما زالت تحتل المركز الأول على مستوى العالم

 

أحسست بالعار وأنا أقرأ التوزيع الجغرافى والأرقام الإحصائية لمعدلات ختان الإناث فى العالم، فمصر هى أكبر هذه الدول من حيث عدد اللاتى يتعرضن لهذه العملية الهمجية، الإحصائيات القديمة كانت تقول إن أكثر من 95% من نساء مصر مختونات، وأكثر الإحصائيات تفاؤلاً الآن تنزل بهذه النسبة إلى 85%!! هل يعقل أن مصر مهد الحضارة وأم التاريخ تبتر أجساد بناتها بهذه الوحشية؟! هل يعقل أن مصر التى احتضنت الأديان والثقافات والأفكار والقيم لا تستطيع أن تحتضن بناتها وتحميهن من مذبحة البتر التناسلى؟ هل يعقل أن تكون مصر مضغة فى أفواه المؤتمرات العلمية التى تدين الختان ووسائل الإعلام التى تصوره ومنظمات حقوق الإنسان التى تندهش من أنه ما زال فى مصر من يجر ابنته ويسحبها إلى حيث يقوده خياله المريض ويقنعه بأنه بذلك يحافظ على شرفه الذى يراق على جوانبه الدم؟! وهل يعقل أنه فى عصر الكمبيوتر والهندسة الوراثية يوجد من يلجأ لحلاق الصحة والداية حتى تجرى للبنت أبشع عملية جراحية فى التاريخ؟ وهل يعقل أنه بعد كل تلك السنوات من الهجوم على عادة الختان ما زلنا فى مقدمة طابور الدول التى تتبنى هذا التخلف؟ ولكن ما حدث فى الواقع أن الخرافة أصبحت معقولة، والدجل صار علماً، والبنت صارت ضحية للعنكبوت الذى غزل خيوط بيوته فى العقول حتى صارت كهوفاً وخرابات.

 

الظاهرة فى الأدب: من «زينب والعرش» إلى «السعداوى»

 

تناولت روايات كثيرة عملية ختان الإناث مثل فتحى غانم فى «زينب والعرش» ومثل سليمان فياض فى «أصوات»، ولكن تظل الروائية والكاتبة نوال السعداوى لها السبق والريادة فى فتح هذا الموضوع الشائك، تحكى نوال السعداوى قصة ختانها قائلة: «كنت فى السادسة من عمرى، نائمة فى سريرى الدافئ أحلم أحلام الطفولة الوردية حينما أحسست بتلك اليد الخشنة الكبيرة ذات الأظافر القذرة السوداء، تمتد وتمسكنى، ويد أخرى مشابهة لليد السابقة خشنة وكبيرة تسد فمى وتطبق عليه بكل قوة لتمنعنى من الصراخ، وحملونى إلى الحمام، لا أدرى كم كان عددهم ولا أذكر ماذا كان شكل وجوههم وما إذا كانوا رجالاً أم نساء؟ فقد أصبحت الدنيا أمام عينىَّ مغلقة بضباب أسود، ولعلهم أيضاً وضعوا فوق عينىَّ غطاء، كل ما أدركته فى ذلك الوقت تلك القبضة الحديدية التى أمسكت رأسى وذراعى وساقى، حتى أصبحت عاجزة عن المقاومة أو الحركة، وملمس بلاط الحمام البارد تحت جسدى العارى، وأصوات مجهولة وهمهمات يتخللها صوت اصطكاك شىء معدنى ذكرنى باصطكاك سكين الجزار حين كان يسنه أمامنا قبل ذبح خروف العيد، وتجمد الدم فى عروقى ظننت أن عدداً من اللصوص سرقونى من سريرى ويتأهبون لذبحى وكنت أسمع كثيراً من هذه القصص من جدتى الريفية العجوز، وأرهفت أذنى لصوت الاصطكاك المعدنى، وما إن توقف حتى توقف قلبى بين ضلوعى، وأحسست وأنا مكتومة الأنفاس ومغلقة العينين أن ذلك الشىء يقترب منى، لا يقترب من عنقى وإنما يقترب من بطنى، من مكان بين فخذى، وأدركت فى تلك اللحظة أن فخذىّ قد فتحتا عن آخرهما، وأن كل فخذ قد شدت بعيداً عن الأخرى بأصابع حديدية لا تلين، وكأنما السكين أو الموسى الحاد يسقط على عنقى بالضبط، أحسست بالشىء المعدنى يسقط بحدة وقوة ويقطع من بين فخذىَّ جزءاً من جسدى، صرخت من الألم رغم الكمامة فوق فمى، فالألم لم يكن ألماً وإنما هى نار سرت فى جسدى كله وبركة حمراء من دمى تحوطنى فوق بلاط الحمام، لم أعرف ما الذى قطعوه منى، ولم أحاول أن أسأل، كنت أبكى وأنادى على أمى لتنقذنى، وكم كانت صدمتى حين وجدتها هى بلحمها ودمها واقفة مع هؤلاء الغرباء تتحدث معهم وتبتسم لهم وكأنهم لم يذبحوا ابنتها منذ لحظات، وحملونى إلى السرير ورأيتهم يمسكون أختى التى كانت تصغرنى بعامين بالطريقة نفسها فصرخت وأنا أقول لهم لا، لا، ورأيت وجه أختى من بين أيديهم الخشنة الكبيرة، كان شاحباً كوجوه الموتى والتقت عينىّ بعينيها فى لحظة سريعة قبل أن يأخذوها إلى الحمام، وكأنما أدركنا معاً فى تلك اللحظة المأساة، مأساة أننا خلقنا من ذلك الجنس، جنس الإناث الذى يحدد مصيرنا البائس ويسوقنا بيد حديدية باردة إلى حيث يستأصل من جسدنا بعض الأجزاء».

 

دينياً: ليس فى الختان خبر يُرجع إليه ولا سنة تُتبع

 

- الحديث الأول هو «الختان سنة للرجال مكرمة للنساء» وهذا الحديث منقول عن الحجاج بن أرطأة، ويقول القرطبى وبن حجر «والحجاج ليس ممن يحتج به».

- الحديث الثانى، الذى قيل بصيغ مختلفة من ضمنها «إذا التقى أو مس أو جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل»، والرد لا حجة فى هذا الحديث على وجوب الختان، لأن اللفظ هنا جاء من باب تسمية الشيئين باسم الأشهر منهما، أو باسم أحدهما على سبيل التغليب، ومن ذلك كلمات كثيرة فى صحيح اللغة العربية منها العمران (أبوبكر وعمر) والقمران (الشمس والقمر) والعشاءان (العشاء والمغرب).. إلخ، فلفظ الختانين لا دلالة فيه على مشروعية ختان الإناث، والحديث وارد فيما يوجب الغسل وليس وارداً فى أمر الختان أصلاً.

- الحديث الثالث وهو أشهرها، وقد جاء فى سنن أبى داود «إن امرأة كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبى لا تنهكى فإن ذلك أحظى للرجل وأحب للبعل»، وقد علق عليه أبوداود فى سننه الجزء الخامس قائلاً «ليس بالقوى وقد روى مرسلاً، ومحمد بن حسان مجهول، وهذا الحديث ضعيف».

اختصاراً يقول الإمام شلتوت معلقاً على هذه الأحاديث جميعاً فى فتاواه الصادرة 1959 «وقد خرجنا من استعراض المرويات فى مسألة الختان على أنه ليس فيها ما يصح أن يكون دليلاً على السنة الفقهية فضلاً عن الوجود الفقهى، وهى النتيجة التى وصل إليها بعض العلماء السابقين، وعبر عنها بقوله ليس فى الختان خبر يرجع إليه ولا سنة تتبع، وأن كلمة سنة التى جاءت فى بعض المرويات معناها إذا صحت الطريقة المألوفة عند القوم فى ذلك الوقت، ولم ترد الكلمة على لسان الرسول بمعناها الفقهى الذى عرفت به فيما بعد، والذى أراه أن حكم الشرع لا يخضع لنص منقول، وإنما يخضع فى الذكر والأنثى لقاعدة شرعية عامة وهى أن إيلام الحى لا يجوز شرعاً إلا لمصالح تعود عليه، وتربو على الألم الذى يلحقه».

 

طبياً: الأضرار الصحية

 

لا يوجد فى مراجع الطب ما يسمى ختان الإناث، ومهما كتبنا عن الأضرار العضوية له وتسببه فى حرمان المرأة من الإشباع الجنسى، سيظل التأثير السيكولوجى المدمر هو الكارثة، لكن الختان يحمل فى جعبته الكثير والكثير من المآسى والكوارث الصحية التى تبدأ بالنزيف وتنتهى بالموت، والنزيف أحياناً يكون بسيطاً وتزيد التهاباته بالبن وتراب الفرن وخلافه من الأشياء التى نكتم بها النزيف، وأحياناً يكون النزيف شديداً بسبب إصابة الشريان البظرى نفسه، ومن الأضرار الصحية الصدمة العصبية الشديدة التى تحتاج النقل إلى المستشفى، ومن الحوادث المعتادة أثناء عملية الختان وبسبب تلوى البنت وعدم السيطرة عليها من الممكن أن يمتد المشرط ويجرح أعضاء أخرى مثل مجرى البول أو الشرج.. إلخ، وقد سجلت بعض الحالات التى انتهت بعدم التحكم فى البول والبراز، وأيضاً سجلت حالات -وياللقسوة والبشاعة- كسر للترقوة من جراء الضغط العنيف على عظام الطفلة البريئة، أما المتاعب البولية بعد الختان فلا تحصى، فالخوف من التبول على الجرح من الممكن أن يؤدى إلى احتباس البول، ووجود الصديد به من تراكم الميكروبات، والتهابات المثانة والكلى، ومن الممكن أيضاً أن تمتد الالتهابات والميكروبات للأعضاء التناسلية الداخلية كالرحم والمبيض وقناة فالوب، مما يؤدى فى النهاية إلى العقم، ويذكر د. سامى الذيب أن 25% من حالات العقم فى السودان سببها الختان، هذا فضلاً عن الألم الذى تحدثه الندبات الناتجة عن الختان، وعندما يلتئم الجرح بالنسيج الليفى المفتقد للمرونة التى تتطلبها عملية الوضع التى من الممكن أن تنتهى بكارثة وتعسر مرور رأس الجنين، والتهابات بغدد بارثولين وتعسر الطمث نتيجة لعوامل نفسية نتيجة الصدمة أو عضوية بسبب الالتهابات والاحتقان وخلافه.

 

قانونيا:ً جرح عمدى.. يُعاقب عليه الطبيب وولى الأمر

 

من أهم الدراسات المصرية التى تناولت ختان البنات من زاوية المسئولية الجنائية والمدنية دراسة المستشار صلاح محمود عويس، الذى كان يشغل منصب نائب رئيس محكمة النقض، والذى يقول «إن الجهاز التناسلى للأنثى فى شكله الطبيعى لا يعتبر مرضاً، ولا يعتبر سبباً مباشراً لإصابتها بمرض معين، ولا يعد سبباً مباشراً لإحساسها بآلام مبرحة أو بسيطة، ومؤدى ذلك أن المساس بهذا الجهاز الفطرى لا يعتبر علاجاً لمرض، أو كشفاً عن داء، أو تخفيفاً لألم، أو إزالة لألم قائم، فإن هذا الفعل يعتبر خارجاً عن نطاق دائرة التطبيب التى يقوم عليها حق الطبيب فى علاج المرضى، ويعتبر الطبيب لذلك مرتكباً جريمة جرح عمدية يعاقب عليها بالمادة 241 أو المادة 242 من قانون العقوبات، وتتحقق بذلك المسئولية الجنائية والمدنية للطبيب الذى اعتبر فاعلاً أصلياً لأنه هو الذى ارتكب الفعل المادى للجريمة، وتتحقق كذلك مسئولية الولى أو الوصى باعتباره شريكاً للطبيب»، ويؤكد د. محمد فياض على نفس المعنى قائلاً «إن للطب أخلاقاً أبرزها عدم إجراء عملية طبية إلا إذا كانت لها فائدة صحية وخالية من الضرر الجسمانى، وبالمنطق نفسه فإذا ثبت أن أية عملية ليست لها فائدة طبية أو تؤدى إلى مخاطر، فإن من الأخلاقيات عدم إجرائها، بل وهذا ما أصر عليه تجريم الطبيب الذى يجريها، ورأيى أن الطبيب الذى يوافق على إجراء عملية ختان الإناث يتساوى مع الذى يوافق على عمليات الإجهاض المفتعل، وأن تجريم الثانى يستوجب تجريم الأول»، ويرد مؤيدو الختان على هؤلاء بأن الختان لا يستحق عقوبة قانونية لأنه من باب التأديب الذى يمارسه ولى الأمر على البنت، ويرفض المستشار صلاح عويس هذا المنطق بقوله «إن ولاية الولى تتحدد فى أموال له، فهو يتصرف فيها طبقاً لضوابط معينة، أما بالنسبة لنفس الصغير أو الصغيرة فإن ولايته هى حقه فى التأديب والتعليم، وحق التأديب طبقاً للشريعة الإسلامية ينحصر فى توجيهه إلى السلوك القويم والعادات الحسنة، والترغيب بالضرب غير المبرح للعادات السيئة، فهل من المنطق والعقل يعتبر حرمان الصغيرة من جزء من عضو فطرى خلقه الله بجسدها من باب التأديب والتهذيب!!»، ودعم المستشار تساؤله بكيف نطلق عليه تأديباً وأكثر النساء اللاتى يمتهن الدعارة مختنات، وأيضاً يرفض المستشار إطلاق صفة التجميل على ختان البنات، فيقول «عمليات التجميل التى أصبحت ضمن الجراحات الطبية يقصد بها إصلاح العضو أو تقويمه أو إزالة زائد فيه، أو بمعنى آخر محاولة إعطاء عضو من أعضاء الجسم أو جزء منه الشكل الطبيعى الفطرى، وهذه هى الغاية من عملية التجميل، فهل يتفق ذلك مع عملية الختان، وهى فى كل صورها تعتبر تغييراً للشكل الطبيعى للعضو التناسلى للأنثى حسب فطرته التى خلقه الله عليها، بالطبع لا، ومن ثم فلا تكون هذه العملية بمثابة تجميل بل هى فى حقيقتها انتهاك لجسد الأنثى».


مواضيع متعلقة