عن إرهاب سيناء.. والتهجير العكسى (1)

خالد عكاشة

خالد عكاشة

كاتب صحفي

رداً على السؤال والمقترح الشائك الذى يتم تداوله بقوة مع كل موجة تنامٍ للعمليات الإرهابية بسيناء، نحاول اليوم أن نشتبك معه ونطرح وجهة نظر قد يكون من المهم التفاعل والتعاطى معها بالتعديل والتنقيح والرد عليها، مختصر ما يتم تداوله أنه مع تكرار العمليات الإرهابية بمدن شمال سيناء «العريش، الشيخ زويد، رفح» وسقوط الضحايا المتكرر والمتنامى، فلماذا لا يتم إخلاء أو تهجير سكان هذه البلدات الثلاث إلى أماكن بديلة، إفساحاً لمجال العمل العسكرى والأمنى من أجل القضاء على التنظيمات الإرهابية، باعتبار أن عناصر التنظيمات الإرهابية تتخذ من سكان ومفردات حياة تلك المدن والقرى المحيطة بها ستاراً ودروعاً، تمارس من خلفها نشاطها الإرهابى؟ وهى فى ذلك تعقد معادلة المواجهة أمام قوات الجيش والأمن، وفى مساحة كشف متقدمة ومطلوبة فى هذا السياق يحتوى هذا الطرح على اتهامات مبطنة وصريحة لأهالى شمال سيناء، بأن هذه التنظيمات الإرهابية ما كانت لتنجح فى تنفيذ عملياتها الإرهابية، التى تقع بداخل شوارع وأزقة تلك المدن تحديداً، من دون أن تكون هناك مساعدات ثمينة وفاعلة من أهالى تلك المدن تقدم لتلك الخلايا المسلحة. ويستند مؤيدو هذا الطرح على نموذج يضعونه كمثال مقارب لما يذهبون إليه خاص بتهجير مدن القناة إبان حرب الاستنزاف وحتى حرب أكتوبر. هذا ملخص معقول لما يتردد بقوة على مواقع التواصل الاجتماعى وعلى ألسنة الكثيرين، وهو يصدر على خلفية ألم إنسانى فادح يعترينا جميعاً، مع متابعة أعداد الشهداء والمصابين الذين يواجهون بصدورهم تلك المعادلة الإرهابية المعقّدة، وهو صادر أيضاً تحت ضغط العامل الزمنى الممتد منذ يناير 2011، والأكثر تحديداً منذ نقلته النوعية فى ما بعد ثورة يونيو 2013، فقد استخدم النشاط المسلح والإرهاب فى تلك المنطقة كسلاح لتقويض أو تعطيل الخيار الشعبى، الذى ذهب بعيداً عن مراهنات تلك الجماعات المسلحة وداعميهم، وعلى هامش هذا العامل الزمنى يُطرح تساؤل موضوعى، مفاده بأن ثلاث سنوات من المواجهة مع الإرهاب فى هذه المنطقة، ولم تظهر بعد بشائر النجاح، بل إن التنظيمات الإرهابية قادرة على تجديد دمائها ومعاودة النشاط بعد كل عملية تطهير، ويستتبع ذلك بالضرورة سؤال الخلل ومسبباته، وقبلاً: هل هو موجود بالفعل أم أن طبيعة مشهد مواجهة الإرهاب المسلح تستلزم ما يدور هناك؟ ثقل الأعوام الثلاثة تفرض علينا بالفعل سؤال: أين الخطأ؟ وما الحلقة الأضعف التى يجب الانتباه إليها؟ أصحاب الطرح السابق يضعون الإجابة سريعاً فى رقبة أهالى سيناء ويتهمونهم بتوفير البيئة الحاضنة والمساعدة لتمدّد هذا النشاط المسلح، ويضيفون أن الإخلاء السكانى كفيل وحده بإفساح المجال أمام القوات العسكرية لتتقدم وتبيد تلك المجموعات الإرهابية.

مقاربة هذه الحالة مع نموذج إخلاء مدن القناة فى الحرب مع إسرائيل لتحرير سيناء أراها غير متوافقة إلى حد كبير، فوضعية الاحتلال واحتشاد الجيش المصرى لخوض معارك مفتوحة بجميع أسلحة المواجهة، هى ما فرضت عليه إنشاء جبهة عمل عسكرى متكامل فى منطقة غرب القناة، فضلاً عن استهداف الجيش الإسرائيلى تلك المنطقة، فى محاولة منه للضغط على سير المعركة، بإلقاء مزيد من العبء على القوات المسلحة المصرية عبر استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية، وفى هذا كان الهدف الاستراتيجى لإسرائيل حينئذ هو الإفلات من وطأة حرب الاستنزاف التى كانت كفتها تميل ناحية الجانب المصرى، والأهم هو خلق معادلة معقّدة أمام الجيش المصرى لا تسمح له ببناء مسرح متماسك لإدارة المعركة، وكانت تفاصيل التعقيدات المطلوبة هى استغلال وجود مدن السويس والإسماعيلية وبورسعيد والقرى المحيطة بها، لتُشكل عامل خصم من الجيش المصرى، تُضيق عليه إمكانيات الحركة والتخطيط العسكرى، لذلك اتخذت القيادة السياسية والعسكرية وقتها قرار التهجير ونقل السكان إلى محافظات الداخل سريعاً، ولأن ما سبق صياغته باختصار عن الموقف العسكرى كان حاضراً بقوة وبتفصيلاته لدى وعى مواطنى تلك المحافظات، لذلك كانت المعادلة من الوضوح بالقدر الذى جعل تلك الخطوة تنجح فى تنفيذها وتسهم فى تحمُّل مشاقها وتبعاتها من قبَل السكان.

لكن اليوم ليست المعادلة بهذا الوضوح والمباشرة، فمعادلة الإرهاب أكثر تعقيداً من الاحتلال، وحروب الجيوش المفتوحة رغم كونها أدنى منها بالطبع، لكنها هى طبيعة الصراع الجديد، وآليات مواجهتها تستلزم فكراً وقوة حديثة تستطيع تفكيك وهزيمة تلك التعقيدات، التى ربما من أخطر أهدافها الكثيرة تدمير الحياة الطبيعية للسكان وللمدن والمناطق التى تستهدفها، وفى هذا نعود إلى أصل دعوة تهجير أهالى سيناء، الذى يحتاج إلى تفصيل وإجابات عن المطلوب فى هذا الشأن نستكمله فى الجزء المقبل إن شاء الله تعالى.