ما بعد شراء العتبة الخضراء

أصبح الأمر مثيراً للضحك أحياناً وللشفقة دائماً، وللارتباك غالباً، وللغضب فى معظم الوقت، نحن فى دائرة عملية «استلطاخ» لا تتوقف، ولا نملك القدرة على التنبؤ بها، ربما لأننا انشغلنا بما هو تافه عما هو أهم، وربما لأن عجلة دوران المشاكل تسير أسرع مما نعتقد، ملخص الأمر أننا فى موقف لا نحسد عليه، ستسجله أفلام الكوميديا والكتب الساخرة فى المستقبل القريب.

هل تتخيل، عزيزى، أن الشعب الذى طالما رفع شعار الفهلوة، واشتهر وتميز بها وتفاخر بعض من أولاده بأنهم «عبوا الهوا فى قزايز» هو نفس الشعب الذى يتعرض لأكبر عملية نصب تشبه إلى حد كبيرة فى «استلطاخها» ما تعرض له إسماعيل ياسين، وهو يشترى العتبة الخضراء.

الفهلوة عادت مجدداً تتصدر المشهد، «كله بينصب على كله» ومصر فقط هى من تدفع الثمن، كثير من أهل السياسة ينصبون باسم الوطن ويبيعون للناس كلاماً عن التوافق والاصطفاف وفى الواقع هم أول مفتعلين حرائق المعارك السياسية، وبعض المسئولين اعتادوا أن ينصبوا على المواطنين بترويج وعود وردية يصيبها الجفاف مع أول صباح، وبعض النشطاء ينصبون على المواطنين باسم الثورة الدائمة التى تصدر كل فعل فى مصر، وكأنه مقدمة للخراب، وحينما يسألهم الناس عن حل يتهربون والإخوان كما هى عادتهم مستمرون بالنصب علينا باسم الدين.

فى دائرة الفهلوة والنصب هذه، لا تحزن على وفاة قامة مصرية كبيرة مثل الأستاذ هيكل، فمن المؤكد أن الرجل مات مقهوراً، وعاش أيامه الأخيرة فى بؤس شديد وهو يشاهد حال الصحافة، ومن المؤكد أنه كان شديد الغضب فى لحظاته توجهه إلى قبره، وهو يشاهد الصحافة والإعلام المصرى بعد أن تم «قرطستهم» وتلبيسهم العمة فى الفترة الأخيرة أكثر من مرة، أخرها وأظرفها، «هند» الشابة الصغيرة التى ضحكت على صحف ومواقع وفضائيات مصر وأقنعتهم جميعاً أنها حفيدة هيكل، وتسارع الجميع للحصول منها على تصريحات، ومن قبلها الطالب الأزهرى المدعو عبدالرحيم راضى، الذى رسم من خياله سيناريو استقبال حافل لعمته الأزهرية فى ماليزيا وفوزه فى مسابقة حفظ القرآن العالمية فى ماليزيا، وتقافز الشاب من استوديو إلى استوديو، وعاير المصريين بأنهم لم يستقبلوه فى المطار، وتكلم عن حب المصريين للرقص لا لحملة القرآن، لنكتشف جميعاً بعد هذه المعزوفة الأخلاقية أن الشاب الأزهرى نصاب، لم يدخل ماليزيا أبداً، والمسابقة أصلاً فى شهر شعبان.

ومن قبلهما كان هنا شاب أصغر اسمه إسلام صلاح بشارة، باع نفسه فى كيس من الوهم للمجلس الأعلى للجامعات وللتليفزيون المصرى ووسائل الإعلام على أنه أصغر حاصل على الدكتوراه فى مصر من جامعات كندا، ووصل الأمر أن تم تكريمه فى عيد العلم، ليصحو المصريون على حقيقة مفجعة تقول بأن «إسلام» نصاب، لم يسافر يوماً لكندا، والسفارة الكندية فى القاهرة أصدرت بياناً تتعجب فيه من مواهبه فى الكذب والتزوير، لأن جامعة مونتريال لا يوجد لديها برامج إدارة أعمال، وأن إسلام بشارة لا يعرف أين تقع كندا على الخريطة، ومن قبل الثلاثة تعرضنا لعملية نصب جماعية من اتحاد الإعاقة البصرية بعد أن أرسل فريقاً مبصراً للمشاركة فى بطولة لكرة الجرس فى بولندا التى تقام أصلاً لذوى الاحتياجات الخاصة، وكان طبيعياً جداً أن يتوج هذا الأسبوع قضية نصب بطلها مواطن أعاد تجسيد مشهد أحمد مظهر مع إسماعيل ياسين فى العتبة الخضراء، وباع لمواطن فى الدقهلية محكمة دكرنس مقابل 2 ونصف مليون جنيه، ومن قبل كل هؤلاء كانت وزارة الآثار تنصب علينا جميعاً، وهى تخبرنا بأن الهرم مؤمّن بالكامل حتى دخل فريق تصوير وخرج بـ«شِوال» من الحجارة دون أن يسأله أحد «جى فى إيه، وسافرت فى إيه».