بعلم الوصول: أرجوك.. حاول تفهم

محمد فتحى

محمد فتحى

كاتب صحفي

بالله عليك حاول أن تفعل، حاول أن تدرك، حاول أن تتأمل المشهد دون تعالٍ، ودون غرور، ودون تشويه، ودون تغابٍ، ودون رغبة فى الزيطة، أو تصنيف من حولك.

أرجوك حاول تفهم أن المشهد هو الناس.. اقترب من الناس.

افهم الناس واجعلهم فى صفك، ولا تخسرهم.

لن تجمع كل الناس.. صحيح، لكن أغلبهم سيقتربون منك إذا شعروا أنك مخلص لهم، ومخلص لوطنك.

لا تتحدَّ إرادتهم بفرض أجندتك وإرادتك وأولوياتك.

أى أجندة دون مشاركة الناس فيها إلى زوال.

أى ترتيب أولويات لا تشع فى مقدمته مصلحة الناس البسطاء ملح أرض هذا الوطن، لن يثمر شيئاً.

الناس زهقت، فهل فهمت لماذا؟ هل أحصيت أخطاءك طيلة ثلاث سنوات كنت تحلم فيها وتضع الشعارات لكنك فى جانب والناس فى جانب؟؟

هل تعاطفت مع عدم فهمهم لك، وحاولت أن تصل إليهم، أم اتهمتهم بالجهل والضحالة وصناعة الفرعون؟

هل فكرت فى طريقة للحل الذى يرضى جميع الأطراف أم أنه لا حل إلا حلك، ولا صواب إلا ما ترى أنت، ولا ثورة إلا بالطريقة التى تراها، ولا وطنى أو خائن أو جاهل أو فلول أو مغرض أو طابور خامس أو إخوان أو ناشط خائن أو حقوقى عميل إلا على طريقتك وبتصنيفك؟

كل خصومك فهموا أن من يكسب الناس يكسب كل شىء، فتملقوهم أحياناً، وأخلصوا إليهم أحياناً أخرى، فتخير الناس من يقفون إلى جواره حتى لو لم يعجبك، بينما أنت مصمم على تحديهم، وعلى اعتبار أنهم لا يفهمون، مراهناً على سرعة نسيانهم له.

صدقنى مهما نسوه، أو تناسوه، أو غضوا الطرف عنه، فرصيدك لديهم يقل، وسينفد مع مرور الوقت، فينقلب الناس من ممتعضين منك ومن أسلوبك إلى كارهين لك، ثم سينتهى بهم الأمر إلى عداوتك، يتمنون زوالك، ويفرحون لفضيحتك، ويسعون لانكسارك، ولا يصدقون عنك سوى كل ما هو سيئ.

أرجوك حاول تفهم أن الصمت أحياناً أفضل، وأن النضال من أجل الناس لا يستقيم إذا أقصيتهم من المعادلة، فواقع الأمر أن الحكام والقوى السياسية والأحزاب والنخب أطراف مؤقتة فى المعادلة، أما الناس فهى الطرف الذى لا تستقيم معه المعادلة.

قدم البديل حين ترفض الواقع، واطرحه بأسلوب يجعلهم يفكرون فى جدواه بدلاً من أن يرفضوه لمجرد أنه منك، الناس بطلت لعب ثورة، وأنت لم تلعب سياسة حين قرر الآخرون لعبها فهزموك، فهل يمكنك أن تلعب سياسة أم ستصر على لعبة أنت كرهت الناس فيها فخسرتهم؟

أرجوك حاول تفهم أن تحدى الناس نتيجته خسارتك، وأن أصحاب الأفكار العظيمة لم يخسروا الناس بقدر ما احتووهم، واحتووا المختلف منهم، وأن الأنبياء أنفسهم صبروا فى سبيل الدعوة، وفى انتظار المعجزة، ولتكن لك معجزتك وكرامتك التى ينظر لها الناس بإعجاب وأمل، بدلاً من إخفاقاتك التى لا تتعلم منها.

أرجوك حاول تفهم.. ابحث عن بديل (تنموى) واجعلهم يشعرون أنك (زاهد).

بل ازهد فعلاً فى السياسة، وقدم مشروعاً يجعلهم يلتفون حولك، وساعتها سيطلبونك باعتبارك الحلم والفارس والمخلِّص.

أرجوك حاول تفهم أن إرادة الناس فى النهاية هى التى تجعل الأمور تحدث، وليس إرادتك.

اكسب الناس، ولا تتحدَّ إرادتهم، أو تفسد فرحتهم.

أضئ لهم نوراً يجعلهم يرون الحقيقة بدلاً من أن تشجعهم على لعن الظلام، فسيلعنونك بعد قليل.

يا رب تكون فهمت.

(ينشر للمرة الثانية لعدم الاستدلال على صاحبه فى المرة الأولى)