السعودية.. ألغام ومهام فى الإقليم

جمال طه

جمال طه

كاتب صحفي

تغيرات استراتيجية شهدها الإقليم منذ وصول الملك سلمان للحكم، صنعت معظمها مبادرات جريئة، وديناميكية لم تعهدها المملكة منذ سنوات، لكن التدخل الروسى فى سوريا طرح إشكاليات تفرض مرونة التعامل حتى لا تُجهِض جهوده للعودة القوية لموقعه المستحق.. سأحاول تلخيصها:

السعودية سعت لاحتواء قطر بمصالحة تاريخية 2014، لكن قطر وقعت مع تركيا يونيو 2015 اتفاقية عسكرية مدتها عشر سنوات، تجدد تلقائياً، تسمح لها بإنشاء قاعدة عسكرية، واستخدام القواعد الموجودة، ونشر قواتها، واستخدام المجالين الجوى والبحرى، وتعاون فى مجالى المخابرات والصناعات الحربية، والمناورات العسكرية، وبرامج التدريب والتعليم، إسرائيل توسطت للتوصل للاتفاق، للحد من دور المملكة، رغم أن كل التغييرات الجارية بالمنطقة، خاصة الاتفاق النووى الإيرانى، تهيئ المناخ لتوافق فى المصالح يحد من عوامل القلق التاريخية بين إسرائيل والدول العربية، ويشجع على التعاون كبديل للعداء، ثم وقعَّت قطر فى أكتوبر اتفاقاً عسكرياً مع إيران، يتضمن إجراء مناورات مشتركة، والسماح للبحرية الإيرانية بدخول المياه القطرية ضمن ترتيبات تأمين الحدود، ومنع التهريب، قطر تفتح الباب للتدخل الأجنبى، وتساعد على تمدده بالمنطقة، إعادتها للصف العربى، والالتزام بأمن المنطقة، مهمة ذات أولوية للسعودية.

سلطنة عُمان رغم تعقلها وصواب رؤيتها، وحيادها فى النزاعات، وقَّعَت اتفاقاً عسكرياً مع إيران سبتمبر 2013، منح أسطولها تسهيلات بالموانئ العمانية، وأسبغت خصوصية على علاقاتهما، قابوس أول زائر لطهران فى عهد روحانى، ومسقط أول عاصمة خليجية تستقبله، عُمان لعبت دوراً مهماً فى إنهاء عزلة إيران، استضافت المحادثات السرية للتوصل للاتفاق النووى، وتوسطت بين الإمارات وإيران لتسوية قضية الجزر، وزير خارجية إيران زار دبى ديسمبر 2013، لتبدأ المباحثات المباشرة فبراير 2014، «ديفنس نيوز» الأمريكية أكدت تنازل إيران عن جزيرتى «طنب الكبرى» و«الصغرى» للإمارات، مع احتفاظها بالحقوق الاقتصادية على قاع البحر حول الجُزر الثلاث، وتأجيل الاتفاق على «أبوموسى» لمرحلة لاحقة، عدم ملاءمة أوضاع المنطقة فرض تأجيل إعلان الاتفاق، بن علوى، وزير الخارجية العُمانى، زار دمشق 26 أكتوبر، والتقى الأسد، ووزير خارجيته، زيارة ليست ميلاً مع التيار، لكنها استكمال للقاءات سرية مع وليد المعلم منتصف أغسطس، تستهدف استئناف الحوار السورى السعودى، بعد توقفه إثر غضب الأخيرة من تسريب تفاصيل لقاء بن سلمان وعلى مملوك بالرياض، نجاح الوساطة يفعل الدور السعودى فى تسوية الأزمة السورية.

البحرين سحبت سفيرها من طهران، وطردت السفير الإيرانى فى المنامة، بعد اكتشاف محاولة لتهريب متفجرات وأسلحة من إيران عبر البحر، لكنها لم تقطع العلاقات، عُمان توسطت لرأب الصدع، الخطر الإيرانى يثير القلق لدى الدول الصغيرة، ما يفرض على مجلس التعاون إعلان حمايته الصريحة، تعزيزاً للثقل العربى فى مواجهة الأطماع الإيرانية، وعدم ترك الساحة لإيران لاستغلال القلق فى فرض نفوذها.

الأردن، بوابة التسلل لسوريا، استوعب أبعاد ونتائج التدخل الروسى، وتعامل معه بحصافة، رئيس الأركان، مستشار الملك، هنأ نظيره السورى بعيد الأضحى، أوقف كل برامج العمل ضد سوريا على أراضيه، بما فيها معسكرات تدريب المعارضة وأبناء العشائر، ومنع السلاح والذخائر عن المعارضة جنوب سوريا، وجمد نشاط غرفة عمليات الجنوب «الموك»، واتفق مع روسيا على وضع آلية عمل مقرها عمان، للتنسيق ضد «داعش»، وقف الدعم المالى السعودى سبب عجزاً يقدر بمليار دولار، لكن الأردن يقدر أن روسيا أدخلت متغيرات ستفرض على الجميع مراجعة موقفه.

ديناميكية السياسة الإيرانية، ونجاحها فى العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، أكدت سعيها لحصار السعودية، التى غابت سنوات عن الإقليم، وبدأت إيران تعد لتفجيرها من الداخل بمعرفة الأقلية الشيعية، وإرهاب المتطرفين السنة، ما يفسر اتجاه أمريكا للحوار معها إبان ترتيبها للانسحاب من المنطقة، بادئة بحاملة الطائرات، لتخفيف عبء تمركز الأسطول الخامس بالخليج «70 ملياراً سنوياً، تمثل 15% من ميزانيتها الدفاعية»، ما يفرض على السعودية سرعة تعزيز دور مجلس التعاون، وسد الفراغ قبل أن يحل النفوذان الإيرانى والتركى كبديل.

بعد مقاطعة العاهل السعودى لقمة كامب ديفيد مايو 2015، نشر موقع ويكيليكس فى يونيو (70.000) وثيقة مسربة من الخارجية السعودية، كمقدمة لنصف مليون وثيقة، وصفها جوليان أسانج مؤسس الموقع بأنها «تميط اللثام عن نظام ديكتاتورى يشكل تهديداً لنفسه وجيرانه»! رد الفعل السعودى اتسم بالنضج والرؤية الاستراتيجية، لتخفيف الضغط الأمريكى، بن سلمان وقع بموسكو «18 يونيو» 6 اتفاقيات تؤسس لعلاقة استراتيجية، تشمل التعاون فى استخدام الطاقة النووية سلمياً، وبناء 16 مفاعلاً للطاقة والمياه بتكلفة 80 مليار دولار، والتعاون العسكرى، وفى مجال الفضاء، والإسكان والفرص الاستثمارية، لكن السعودية رفضت دعوة موسكو لإنشاء تحالف مع تركيا والعراق وسوريا ضد «داعش»، وهو قرار صائب لأن روسيا كانت تُعد للتدخل المباشر، ما كان يضع السعودية أمام واقع بالغ الحرج، خاصة فى علاقتها بالتحالف الغربى، بن سلمان وقّع بباريس «24 يونيو» 10 اتفاقيات لبناء مفاعلين نوويين، وشراء طائرات هليكوبتر، وطائرات إيرباص، بتكلفة 11.5 مليار دولار، الزيارتان جسدتا تحولاً جذرياً للسياسة الخارجية السعودية نحو تعدد أقطاب التعاون الاستراتيجى، واستقلالية القرار، أوباما سارع بإيفاد وزير دفاعه لجدة فى يوليو، وافق على صفقة صواريخ طائرات F-15، ووعد بتلبية كل احتياجات المملكة ليوقف تباعدها، وينال حصة من مشترواتها العسكرية التى ارتفعت من 45.3 مليار دولار 2010، إلى 48.5 مليار 2011، 56.5 مليار 2012، 67 ملياراً 2013، و80.8 مليار 2014، حتى بلغت قرابة 160 ملياراً 2015، العاهل السعودى زار واشنطن مطلع سبتمبر، وأوباما وافق على بيع طائرات هيلوكوبتر بلاك هوك، ومقاتلات F-15، ومحركات وأنظمة GPS وإنذار مبكر، ومنظومة صواريخ باتريوت متقدمة PAC-3، وأربع سفن حربية متعددة المهام، وفرقاطتين لدعم الأسطول السعودى بالخليج، السعودية عدّلت موقفها من الاتفاق النووى واعتبرته «عامل استقرار للمنطقة»! لكنها لم تغير موقفها من رفض أى دور لبشار، سواء فى مستقبل سوريا، أو فى المرحلة الانتقالية.

السعودية ينبغى أن تعيد تقييم متغيرات ما بعد التدخل الروسى، وتتفهم أن أمريكا لم تتخذ على مدى الأعوام الماضية إجراء جدياً لإجبار بشار على الرحيل، وأنها سمحت بتدخل روسيا ضمن ترتيبات الاتفاق الإيرانى، أملاً فى استنزاف قواها، ولإجهاض تقاربها مع السعودية، وتوفير وسيلة فعالة للضغط على بشار حال التوصل لصيغة تسوية، وأن روسيا فى المقابل تقدر أهمية التوافق مع السعودية، وتضعها على رأس اهتماماتها بالمنطقة، خاصة فيما يتعلق بالتأثير على أسعار البترول، فهى التى رفعت أسعاره لثلاثة أضعاف نهاية السبعينات، ثم هبطت به للنصف بعد تدخل روسيا فى أوكرانيا، الاحتياطى النقدى السعودى «700 مليار دولار» مكنها من ذلك، لكنه لن يصمد طويلاً مع ضخامة مشترواتها العسكرية، وتراجع أسعار النفط، حقائق لا يمكن للسعودية تجاهلها، وإلا تعرضت لتراجع سياسى مهين، أو مواجهة غير مأمونة مع روسيا وإيران على الساحة السورية.