أحمد فوزى صالح: شخصيات مسلسل ظلم المصطبة مستوحاة من الحقيقة

أحمد فوزى صالح: شخصيات مسلسل ظلم المصطبة مستوحاة من الحقيقة
كشف المؤلف والمخرج أحمد فوزى صالح عن كواليس وأفكار مسلسله الرمضانى «ظلم المصطبة»، ورؤيته الفنية للعمل، وكيف بنى العالم الدرامى الخاص به، لافتاً، فى حواره مع «الوطن»، إلى أن المسلسل يناقش معضلة الاحتكام إلى الأعراف فى مقابل اللجوء إلى القانون، من خلال قصص مأخوذة من الواقع، أدّى العرف والتدخّل فى حياتها دون حق إلى مآسٍ وكوارث كبرى.
■ كيف استلهمت فكرة «ظلم المصطبة»؟ وما الرسالة التى يقدّمها هذا العمل؟
- فكرة المسلسل جاءت من واقع المجتمع نفسه، من الإعلانات البشعة المنتشرة على الطرق بين مدن مصر، فقد حاولت فهم هذه الآلية العرفية، ليقابلنى المثل الشعبى «ظلم المصطبة ولا عدل المحكمة» وهو تعبير يُلخص معضلة الاحتكام إلى الأعراف العائلية والشعبية فى مقابل اللجوء إلى القانون، ثم بدأت تكوين أرشيف من قصص حقيقية فى صفحات الحوادث والأخبار، عن قصص نساء ضحايا لموروثات العرف، وأردت أن أطرح سؤالاً جوهرياً عبر المسلسل: هل نختار العرف وتقاليد المصطبة لحل نزاعاتنا، أم نلجأ لعدل المحكمة وسيادة القانون؟ وفى تلك الأثناء، أحمل رسالة عن خطورة التدخّل فى حياة الآخرين بلا وجه حق، وكيف يمكن أن تقود هذه التدخلات إلى كوارث إنسانية، وأنا معنى جداً بقضايا الناس البسطاء والمهمّشين، لذلك حرصت على أن يعكس العمل صوت من لا صوت لهم، وينقل معاناتهم للمشاهد بشكل صادق.
■ كيف قمت ببناء العالم الدرامى فى المسلسل وجعلته متماسكاً وجاذباً للمشاهد؟
- حرصت على بناء عالم درامى واسع النطاق ومتعدّد الطبقات ليشعر المشاهد بأنه أمام لوحة كاملة للمجتمع، إذ تدور أحداث «ظلم المصطبة» فى مناطق كثيرة من الصعيد إلى الدلتا والقاهرة، وهذا التنوع الجغرافى منحنا ثراءً فى البيئة الدرامية، والعمل فى جوهره عبارة عن عدة قصص مترابطة من خلال الفكرة العامة، وكل قصة لها أبطالها وشخصياتها المحورية الخاصة رغم تنوع القصص، وهناك خيط خفى يربطها جميعاً وهو تيمة الظلم الناتج عن اللجوء إلى العرف، الذى يسمح بالتدخّل فى شئون الآخرين.
■ ما العوامل التى أثّرت فى تشكيل شخصيات المسلسل وبيئة الأحداث، خاصة مع وجود شخصيات درامية تحمل تعقيدات نفسية وتواجه ضغطاً مجتمعياً؟
- الشخصيات فى «ظلم المصطبة» وبيئاتها مستوحاة بشكل مباشر من الواقع الذى نعيشه كما ذكرتُ، القصص نفسها مأخوذة عن أحداث وقعت بالفعل، لذا بدأ تشكيل الشخصيات من أشخاص حقيقيين قرأنا عنهم أو قابلنا شبيهاً لهم، وحرصت على أن تعكس كل شخصية خلفيتها الاجتماعية والثقافية، فالقادمة من الصعيد مثلاً لها طريقة تفكير ولهجة مختلفة عن القادمة من الدلتا أو المدينة الساحلية، والبيئة تلعب دوراً حيوياً فى تشكيل ملامح الأبطال ودوافعهم. أيضاً اهتممت بتفاصيل كل مجتمع محلى ظهرت فيه الأحداث من عادات وتقاليد إلى طريقة اللباس واللغة، لجعل العالم الدرامى نابضاً بالحياة ومقنعاً. ومن العوامل المؤثرة أيضاً أننى مهموم بقضايا الطبقات المهمّشة والبسطاء فى القرى والنجوع، وبالضغوط التى تواجه السيدات وحتى الرجال من أعراف وتقاليد تشكلهم تشكيلاً بعيداً عن روحهم وشخصياتهم الحقيقية لتبدو دوافعهم واحتياجاتهم الدفينة هى المحرك الأساسى لأفعالهم باختلاف أنواعها، فجاءت الشخصيات نابضة بروح هذه الفئات، وتعبر عن همومها وآمالها. باختصار، مزجت بين مصادر واقعية ومعالجة درامية تخدم رؤيتى الفنية، فخرجت الشخصيات صادقة وقريبة من قلب المشاهد، لأنها تشبه أشخاصاً قد يكون عرفهم فى حياته اليومية.
■ ننتقل للحديث عن كواليس الإنتاج، هل حدث خلاف بينك وبين المخرج هانى خليفة أثناء الإعداد للمسلسل؟
- من الطبيعى فى أى عمل فنى كبير أن تظهر اختلافات فى وجهات النظر بين أفراد الفريق الإبداعى، وبالفعل كان هناك بعض التباين فى الآراء بينى كمؤلف للنص وبين المخرج، خاصة أن هناك فرقاً بين كاتب السيناريو والمبدع الحقيقى، فالكاتب غالباً ما يكون موظفاً ينفّذ المطلوب منه، بينما المبدع يتجاوز ذلك، ليخلق أعمالاً أصيلة تعبّر عن رؤيته الخاصة للعالم ولمجتمعه، كما أن المبدع لا ينتظر أن يعرض عليه أحد أن يكتب نصاً، بل يُؤسس لمشروعاته ويسعى لترك بصمته فى المجال، وليس مجرد تأدية مهمة، وهذا ما قدّمته فى «ظلم المصطبة»، حيث أرى أننى أحمل رؤية ورسالة، تجعلنى أختار موضوعاتى بنفسى، وهذه مخاطرة أحياناً بتحدى السوق والتوقعات، حيث أسعى دوماً لخلق اتجاهات جديدة بدلاً من اتباعها.
■ هل هناك رسائل معينة تأمل أن يتلقاها المشاهدون بعد أحداث المسلسل؟
- بالتأكيد، فالدراما ليست مجرد تسلية أو ترفيه، بل هى مرآة للمجتمع ورسائل مبطنة أحياناً، وعبر «ظلم المصطبة» آمل أن يفكر المشاهد فى مسألة العدل والظلم من زاوية مختلفة، واحدة من الرسائل الرئيسية تتعلق بالعمل: هل نعتمد على العرف والتقاليد العائلية لحل خلافاتنا أم نلجأ إلى القانون والدولة؟ وأنا لا أقول للمشاهد ما الصحيح بشكل مباشر، لكننى أضعه أمام نتائج ما قد تحدث عندما يقرّر الناس أن يأخذوا العدالة بأيديهم أو يحكموا على بعضهم البعض فى «قعدة مصطبة» دون مراعاة للقانون. وهناك رسالة حول خصوصية الحياة الشخصية، عن ضرورة أن يحترم كل منا خصوصيات الآخر، وألا نتدخل فى ما لا يعنينا، فالتدخل غير المبرّر يمكن أن يدمّر حياة كاملة، ويؤدى إلى مآسٍ، وهذا ما نراه فى قصص المسلسل، كما أردت إلقاء الضوء على معاناة الفئات المهمّشة والبسيطة، لأقول إن كل شخص له قصة تستحق أن تُروى، وأن نفهم ظروفها قبل أن نُصدر الأحكام.
قضايا البسطاء على رأس أولوياتى.. وصنعت عالماً درامياً يعكس الواقع والدراما مرآة للمجتمع ورسائل مبطنة أحياناً وليست مجرد تسلية وترفيه
كثير من الأحداث الحقيقية تكون أغرب من الخيال أو تأتى دون حبكة واضحة، لذا كان علىّ أن أصوغ هذه القصص فى قالب درامى جذاب دون الإخلال بواقعيتها، على سبيل المثال، بعض الحوادث الواقعية تنتهى نهايات مفتوحة أو غير مرضية من منظور درامى، فاجتهدنا فى إعطاء هذه القصص نهاية تتماشى مع سياق الأحداث الدرامية وتُرضى المشاهد، مع الحفاظ على الرسالة أو العبرة الحقيقية وراءها. وكان يهمنى ألا يبدو أى شىء مفتعلاً أو بعيداً عن المنطق الذى يعرفه الجمهور فى حياتهم اليومية. لذا قُمت بمزج الحقائق مع الخيال بحذر، واستندنا إلى الواقع فى رسم الخطوط العريضة.