صفقات الرئيس الأمريكي تشعل أزمات الشرق الأوسط

صفقات الرئيس الأمريكي تشعل أزمات الشرق الأوسط
مع بدء الرئيس الـ47 للولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ترامب، مهمته لرسم ملامح سياسات إدارته الجديدة، داخلياً وخارجياً، ومن ضمنها التعامل مع العديد من الأزمات المعقدة فى منطقة الشرق الأوسط، بما فيها الصراع العربى الإسرائيلى، وطموحات إيران النووية، كشف البيت الأبيض عن مجموعة من الخطط أثارت كثيراً من الجدل، حيث تدعو فى ظاهرها إلى تجاوز الخلافات بين الأطراف المتصارعة ومنح الأولوية للسلام من أجل تحقيق الازدهار الاقتصادى، إلا أن تلك الخطط، التى يبدو ترامب متمسكاً بها بقوة، قد تدفع الأزمات الراهنة فى المنطقة إلى مزيد من التعقيد.
«نيوزويك»: يتبنى استخدام «أساليب غير تقليدية» مع الحلفاء والخصوم
ووفق صحيفة «نيوزويك»، فإن طريقة تعامل ترامب مع أزمات الشرق الأوسط تستند إلى عقد «صفقات تجارية»، تعتمد مبدأ «العلاج بالصدمة»، بعد فشل العديد من الخطط السابقة فى تحقيق سلام دائم بالمنطقة، كما تعكس السياسات المعلنة من جانب إدارة ترامب طريقة التفكير التى تغلب على عقليته كرجل أعمال سابق وكمستثمر عقارى فى مجال إدارة المنتجعات السياحية، ومنها فكرة تحويل قطاع غزة، الذى دمرته الحرب، إلى «ريفييرا الشرق الأوسط»، مع نقل سكانه البالغ عددهم نحو مليونى شخص إلى ما يصفها بـ«مجتمعات جميلة»، وهو ما أغضب القادة العرب، بالإضافة إلى خطته لإبرام اتفاق نووى مع إيران، يتيح للجمهورية الإسلامية النمو والازدهار سلمياً، وهى الخطة التى قوبلت بحملة تشكيك واسعة من الأصوات المتشددة فى كل من إسرائيل والولايات المتحدة.
ورغم أن مدى التزام البيت الأبيض بأى من هذه الخطط، أو ما إذا كانت مجرد نقاط انطلاق للمفاوضات مع أطراف الأزمات «المتحجرة» فى الشرق الأوسط، لا يزال غير واضح، تشير الصحيفة إلى أن ترامب أظهر مراراً استعداده لاستخدام أساليب «غير تقليدية»، سواء مع الحلفاء أو الخصوم، كما أن مقترحات إدارته، القائمة على الأولويات الاقتصادية، أكسبته علاقات وثيقة مع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، ومع بعض الحكام العرب.
مخطط التهجير الأمريكى يثير غضب قادة العرب.. وحملات تشكيك فى «الاتفاق النووى الإيرانى»
يقول جيسون جرينبلات، المبعوث السابق للبيت الأبيض إلى الشرق الأوسط، لـ«نيوزويك»، إن «ترامب لديه قدرة فريدة على الحفاظ على العلاقات وجمع الناس معاً، هذا لا يعنى أنه سيحل المشكلة، لكنه يتمتع بميزة إضافية لأنه يتوافق مع الجميع، ويحظى باحترامهم، بل إن بعضهم يشعر بالتوتر حيال أساليبه غير التقليدية»، إلا أن المسئول الأمريكى السابق يعتبر أن «نهج ترامب يحمل جرعة صحية من الواقع القاسى»، ويضيف فى هذا الصدد: «لقد حاول الجميع، ولم ينجح أحد، يجب أن نجد حلاً».
وخلال ولايته الأولى، سعى الرئيس الأمريكى إلى تنفيذ خطة «السلام من أجل الازدهار»، بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وهى الخطة التى وُصفت بـ«صفقة القرن»، إذ كانت تمنح الفلسطينيين حكماً ذاتياً محدوداً مشروطاً فى غزة وأجزاء من الضفة الغربية، مع تخصيص عاصمة للدولة الفلسطينية على أطراف مدينة القدس، مقابل تلقيهم مليارات الدولارات فى إطار مشاريع تنموية، وفى المقابل تتيح الصفقة لإسرائيل الاحتفاظ بسيطرتها على المدينة المقدسة، بالإضافة إلى تعزيز نفوذها فى الضفة الغربية، بل والهيمنة على الشئون الأمنية والدبلوماسية للفلسطينيين.
وبينما قوبلت «الصفقة» برفض فورى من جانب حركة «حماس»، ومن السلطة الفلسطينية، ومعظم الدول العربية، خاصة أن الإدارة الأمريكية قدمت تلك الخطة دون التشاور مع الأطراف الإقليمية، حتى ترامب نفسه فقد حماسه للخطة، بعد خلاف مع نتنياهو بشأن خطته لضم أجزاء من الضفة الغربية فوراً، فقد حققت سياسات ترامب بعض النجاحات فى أواخر عام 2020، عبر «اتفاقيات أبراهام»، التى أسفرت عن تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، من بينها الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، لتكسر الحظر العربى الطويل لإقامة علاقات طبيعية مع دولة الاحتلال، وهو ما يشجع ترامب على السعى لعقد المزيد من الصفقات، لتسوية أزمات المنطقة.
ويقول «جرينبلات»، بحسب ما أوردت «نيوزويك»، إن «ترامب يعتقد أن الحل المباشر والعملى هو السبيل الوحيد لحل الأزمة، حتى لو لم يكن الجميع مرتاحين له، ربما لا تنجح الفكرة بكاملها، لكن هناك طرقاً أخرى للإصلاح، وهو بالفعل شخص يحل المشكلات»، إلا أن محمد باهارون، المدير العام لمركز دبى لبحوث السياسات العامة، يؤكد فى المقابل أن اتفاقيات أبراهام «لم تكن معاهدة سلام بالمعنى التقليدى»، بل كانت بمثابة «استثمار فى الاعتراف بدولة إسرائيل»، التى يطلق عليها الكثير من الأوساط العربية اسم «الكيان الصهيونى»، بالإضافة إلى تقديم ضمانات لقيام دولة فلسطينية، من خلال الحفاظ على وحدة الأراضى الفلسطينية، ومنع ضم مناطق من الضفة الغربية.
ويرى «باهارون» أن خطة ترامب فى «طرح سياسيات غير تقليدية للتعامل مع الأزمة المتحجرة» فى الشرق الأوسط حققت بعض أهدافها، مشيراً فى تصريحاته للصحيفة الأمريكية إلى أن تصريحات الرئيس الأمريكى بشأن تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة قد لا تكون «خطة حقيقية»، ولكنها كانت «مناورة» حققت له ما أراد، وهو دفع الدول العربية إلى تقديم حلول بديلة تنهى حكم حركة حماس فى قطاع غزة، وتضمن الأمن للإسرائيليين.
ويشير تقرير «نيوزويك» إلى أن ترامب اضطر للتراجع عن فكرة تهجير الفلسطينيين، نتيجة الرفض العربى والدولى لخطته التى أثارت كثيراً من الجدل، وقال فى مقابلة إذاعية إنه لن يفرض هذا الحل، وإنما يقدمه كتوصية، ورغم ذلك فقد دفعت تصريحاته القادة العرب إلى تسريع المناقشات حول «خطة بديلة»، حيث استضافت العاصمة السعودية الرياض اجتماع «قمة غير رسمية»، ضمت قادة مصر والأردن والبحرين والكويت وقطر والإمارات والسعودية، مع توقعات بطرح مبادرة مشتركة فى القمة العربية الطارئة، المقرر عقدها بالعاصمة المصرية القاهرة، فى الرابع من مارس، لكن هذا التحرك لم يوقف الانتقادات الحادة لخطة ترامب، إذ تؤكد آنا جاكوبس، الباحثة فى معهد دول الخليج العربية بواشنطن، أن «الخطة تمنح اليمين المتطرف فى إسرائيل كل ما يريدونه، وتتجاهل المطالب الفلسطينية تماماً».
وترى الصحيفة الأمريكية أنه إذا كانت مبادرات ترامب فيما يتعلق بملف الصراع الفلسطينى الإسرائيلى تثير الجدل، فإن ملف إيران يبدو «أكثر تعقيداً»، إذ تعود «العداوة» بين واشنطن وطهران إلى عقود طويلة، لكنها تحولت إلى «عداوة شخصية» مع ترامب، الذى أمر باغتيال قائد «فيلق القدس» الإيرانى، الجنرال قاسم سليمانى، فى 2020، بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووى مع إيران، كما رفضت إيران، التى تواصل تطوير برنامجها النووى بوتيرة متسارعة، إجراء أى محادثات مباشرة مع واشنطن تحت الضغوط، بينما يطالب متشددون إسرائيليون بشن ضربات عسكرية على المنشآت النووية الإيرانية، فيما يروج ترامب، رغم مواقفه المتشددة إزاء طهران، إلى عقد «صفقة نووية تحقق مصالح متبادلة»، الأمر الذى يثير انقسامات داخل أركان الإدارة الأمريكية، بين «معسكر الصقور»، الذين يسعون لتبنى سياسات أكثر عدوانية، ومعسكر «الأنصار الجدد»، الذين يؤيدون سياسات ترامب لاحتواء إيران.
ويقول جوناثان بانيكوف، مدير مبادرة الأمن فى الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسى: «هناك انقسام واضح داخل فريق ترامب، فبينما كانت إدارته الأولى مليئة بالصقور، نجد الآن تزايداً فى نفوذ العزلة السياسية، مما يجعل الاستراتيجية غير واضحة»، كما يرى بعض الخبراء أن نهج ترامب فى الشرق الأوسط يعتمد على «العلاج بالصدمة»، عبر زعزعة الأوضاع القائمة، لإجبار الأطراف على التفاعل مع مقترحاته، وفى هذا الصدد يقول أرييل ليفيت، الباحث فى مؤسسة «كارنيجى للسلام الدولى» والمسئول السابق فى لجنة الطاقة الذرية الإسرائيلية، إن «سياسات ترامب تحمل مخاطر هائلة، لكنها توفر فرصاً كبيرة أيضاً، إنه يستخدم الصدمة لإجبار الأطراف على التحرك من مواقفهم المتحجرة».
وتختتم «نيوزويك» تقريرها بالقول إن نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد بشكل كبير على قدرة القادة على تفسير نوايا ترامب الحقيقية، وهو أمر قد يكون معقداً، فمثلاً، هل يعنى دعمه لفكرة «غزة بلا فلسطينيين» التزاماً فعلياً بالخطة، أم مجرد مناورة للضغط على الأطراف لتقديم بدائل؟، ومع تولى مستشاره، ستيف ويتكوف، دوراً محورياً فى المفاوضات حول غزة، إلى جانب ملف إنهاء الحرب فى أوكرانيا، يبقى السؤال: «هل يملك ترامب وفريقه القدرة الكافية على تنفيذ أجندتهم الطموحة فى الشرق الأوسط؟».