احترسوا.. اللصوص يركبون الثورة على الفساد

مرة أخرى، سقطت وزارة الزراعة مثل بقرة ذبيحة، فانهالت عليها سكاكين الحواة والنصابين وكلاب السكك المسعورة وأراجوزات الإعلام الجهلة، الذين اقتحموا ساحة «قضية الفساد» الأخيرة، واستغلوها فى ركوب ثورة التطهير، وصنعوا اعتقاداً لدى الرأى العام بأن الفساد لا وجود له إلا فى هذه الوزارة الذبيحة، وأن كل من يعمل بها، وكل من يتعامل معها، هو بالضرورة فاسد وحرامى.. حتى إن ثبتت براءته بحكم قضائى نهائى.

كانت المرة الأولى التى تم فيها استهداف هذه الوزارة تحديداً -وهى أهم وزارات مصر كما أعتقد- عام 2002، عندما أسفر صراع مراكز القوى فى الحزب الوطنى الحاكم آنذاك، عن دفع جهاز رقابى كبير إلى صناعة قضية رهيبة، كان الهدف منها القضاء المبرم على سطوة الدكتور يوسف والى، نائب رئيس الوزراء ووزير الزراعة والأمين العام للحزب الوطنى، وتلقينه درساً قاسياً، لمجرد أنه اعتذر عن مصاحبة الوريث المدلل جمال مبارك، فى جولة سياسية بمحافظة الفيوم.

الذى حدث آنذاك -وهو مثبت بأحكام قضائية نهائية- أن عصابة الأربعة الشهيرة، تلقت أوامر من داخل البيت الرئاسى، بتدمير سمعة يوسف والى واغتياله أدبياً ومعنوياً، قبل الإطاحة به، فسارع الجهاز الرقابى إلى ضبط الدكتور يوسف عبدالرحمن، وكيل وزارة الزراعة القوى، وتم توصيف التهم الموجهة إليه فى البداية باعتبارها جريمة استغلال نفوذ وتزوير فى محررات رسمية، مع إضافة تهمة الرشوة الجنسية وإدخال سيدة أعمال شابة وجميلة فى القضية لزوم الإثارة وتهييج الرأى العام، وإشعال بورصة النميمة، وبعد أسبوعين فقط من توضيب هذه التهم تلقى الجهاز الرقابى تعليمات مشددة بالبحث عن تهمة أخرى تكفى لتحقيق الهدف المنشود، فاضطر الجهاز إلى إعادة توصيف التهم باعتبارها «جريمة استيراد مبيدات مسرطنة»، لتدمير صحة الشعب المصرى.

وقد عثرت وسائل الإعلام المصرية والعربية والأجنبية على ضالتها فى هذه التهمة الفظيعة.. واندفع الجميع فى فوضى عارمة لنشر جريمة العصر، وتحت سحائب غبار المعركة دخل لصوص بيع قطاع الأعمال العام ورفعوا رايات المطالبة بإعدام المتهمين، ودفعوا أموالاً طائلة لصحفيين وإعلاميين كبار للنفخ فى رماد الفضيحة كلما أوشكت نارها على الانطفاء، وتم إلهاء كل الصحف عن المتابعة الموضوعية لوقائع التحقيق القضائى فى القضية، لدرجة أن أحداً على الإطلاق لم ينتبه إلى أن أكثر من 7 قضاة محترمين اعتذروا عن نظرها، باعتبارها قضية مبيدات مسرطنة، وظلت القضية تنتقل من دائرة إلى أخرى حتى حسمتها محكمة النقض عام 2007 فى حكم قضائى بات ونهائى باعتبارها قضية استغلال نفوذ وتزوير فى محررات رسمية، ثم قضت فى فقرة منفصلة ببراءة جميع المتهمين فيها من تهمة استيراد مبيدات مسرطنة.

وبالإضافة إلى هذا الحكم النهائى من أرفع محكمة مصرية، عكفت لجنة علماء مستقلة برئاسة العالم المصرى الجليل الدكتور مصطفى كمال طلبة، على مراجعة كل أوراق هذه «القضية الفضيحة»، وبعد عام كامل أصدرت تقريراً شديد الأهمية عام 2010، قالت فيه حرفياً: «إن الذين أثاروا هذه القضية باعتبارها قضية مبيدات مسرطنة لم يراعوا ضميراً ولا أخلاقاً، وارتكبوا جريمة سياسية فى حق هذا البلد، قاصدين من ذلك الانتصار على خصم سياسى، بتدنيسه واغتياله معنوياً».

ورغم ذلك كله ما زال كل مبتدئ، وكل إعلامى حرامى استفاد من عطايا هذه الفضيحة، كلما عَنّ له أن يكتب عن الفساد لم يجد أمامه غير فساد وزارة الزراعة التى تستورد مبيدات مسرطنة.. وهناك صحفيون كبار قبضوا ملايين الجنيهات نظير قيامهم بواجب ذبح يوسف والى والإطاحة به من الوزارة ومن الحزب، وإسقاطه بالتزوير، فى انتخابات مجلس الشعب عام 2005 أمام مرشح نكرة ينتمى إلى جماعة الإخوان التى كسبت مليارات الجنيهات بعد صدور قرار جهول وانتهازى بمنع استيراد المبيدات الأصلية، باعتبارها مسرطنة، وتصدرت «الجماعة» مافيا تهريب المبيدات المغشوشة من أنفاق غزة، بعلم «القصر الرئاسى» ورجاله الفاسدين.

والآن، تنفجر قضية فساد جديدة وحقيقية فى وزارة الزراعة، بطلها هو نفسه «الإعلامى!!» المزيف الذى سبق له اصطياد واحد من أكفأ رجال القضاء المصرى هو المستشار ماهر الجندى، وساقه -متهماً بالرشوة والتربح- من مقعد محافظ الجيزة إلى سجن مزرعة طرة، ومن اللحظة الأولى التى تم فيها الإعلان عن القضية الجديدة، سارع اللصوص إياهم، وأراجوزات الإعلام إياهم، إلى القفز فى ساحة القضية، لتحويلها من مجرد قضية رشوة وزير ووكيل وزارة، إلى كرة نار طائرة ترمى حممها المشتعلة داخل كل أروقة وزارة الزراعة، وتدمغ كل العاملين فيها بالفساد، ثم تواصل رمى الجمرات النارية فوق رؤوس كل من استصلح أرضاً فى صحارى مصر، لصناعة يقين راسخ مؤداه أن الكل فاسد، وأن الفساد أوسع وأخطر وأعمق من قدرة أى نظام سياسى على الاقتراب منه.

نعم، تلك هى النتيجة التى يستهدفها أراجوزات الإعلام، الذين راكموا ثروات طائلة من ابتزاز رجال أعمال فاسدين، وابتزاز مسئولين ضعفاء، ويريدون الآن ركوب ثورة التطهير، وإشاعة حمى الفساد، حتى يضطر النظام السياسى إلى إحكام الغطاء على «بكابورت» الفساد وعدم التفكير فى رفعه مرة أخرى.

وفى اعتقادى، أن هذه الهوجة العاتية ضد وزارة الزراعة، ودمغ كل العاملين فيها بالفساد، وتلويث سمعة باحثيها، هدفها تدمير واحدة من أهم وزارات مصر والدفع بمئات الشرفاء فى محرقة الفساد ظلماً، حتى يتمكن اللصوص الحقيقيون من الإفلات بجرائمهم.. لكنى أعتقد أيضاً أن جهاز الرقابة الإدارية يعرف جيداً مقاصد أراجوزات الإعلام، ويفهم -هذه المرة- أن الفساد يحشد قواه ويستخدم أدوات جديدة، ويرفع علم الوطن ويكيل المديح لرئيس الدولة، ويرمى فى المحرقة المشتعلة بملفات زائفة، وأخرى مصطنعة، وثالثة حقيقية، لكى تختلط الأمور على رجال هذا الجهاز.. وتدفعه إلى التراجع عن فتح كل ملفات الفساد، خصوصاً فساد «المخلصاتية» من «المشاهير»، وهذه المعرفة هى وحدها مصدر اطمئنانى إلى أن مصر بدأت أولى خطواتها على طريق مواجهة أباطرة الفساد وأعوانهم من حَمَلة «مباخر» الوطنية الزائفة.