"داعش" و"التتار".. اختلفت الأزمنة و"الجهل" واحد

كتب: محمد متولي

"داعش" و"التتار".. اختلفت الأزمنة و"الجهل" واحد

"داعش" و"التتار".. اختلفت الأزمنة و"الجهل" واحد

بنوا إمبراطوريتهم على دماء العرب، فعاثوا في الأرض فسادا صابغين نهري دجلة والفرات بلون الدم، يهدمون مكتبات "بغداد" ويغرقون ما بقي فيها من كتب في النهر ليعبروا عليه إلى باقي الأمصار العربية.

شعر التتار بفجوة حضارية هائلة بينهم وبين المسلمين بعدما بزغ نجم المسلمين في العلوم ووالأخلاق بخلاف عشرات الآلاف من العلماء والذين أثروا الحضارة الإسلامية بمصنفات مختلفة ومتعددة، فيما اعتمد التتار في معيشتهم على الرعي فكانوا بداة متنقلين، بعدها تحولوا إلى الزراعة وبعض من الصناعة البسيطة التي تلبي حاجات الرعي، فظهروا على يد قائدهم جنكيزخان في 1167-1227م، وحققوا على يده انتصارات كبرى وأقام أمبراطورية شاسعة لم تدم كثيرا حتى انقسمت بين أولاد وأحفاد إلى إمارات وممالك صغيرة مدت من الصين لنهر الدانوب.

لم تختلف قصة التتار كثيرا عما يجرى حاليا في سوريا والعراق من قبل أعضاء تنظيم "داعش" الإرهابي، فالأول قام بسفك الدماء وإغراق الكتب وحرقها لطمس التاريخ، بينما سعى الأخير لتفجير وتدمير المعابد بدأت أولها في مدينة تدمر الأثرية بوسط سوريا والمدرج على لائحة التراث العالمي للإنسانية، بعدما حددوا المعابد بمثابة "أصنام" والتي تعارض معتقداتهم، حتى حطموا المواقع الأثرية في العراق وسوريا على حد سواء.

ففي العراق سعى أعضاء التنظيم إلى طمس المعالم الحضارية هناك، ففجروا معبد بعل شمين وهو أحد المعابد المهمة بالمدينة الأثرية بعد معبد بعل، حيث بدأ بناؤه بعدما حمل اسم إله السماء لدى الفينيقيين في عام 17 ميلاديا ثم جرى توسيعه فى عهد الإمبراطور الروماني هادريان عام 130م، استطاع أعضاء التنظيم تفخيخ المعبد بكمية كبيرة من المتفجرات وتم تدمير جزء كبير منه، كما تعمدوا جرف مدينة الحضر التي تعود للحقبة الرومانية قبل أكثر من ألفى عام بخلاف تدمير آثار متحف الموصل فى شمال العراق.

إبريل الماضى وبالاخص في مدينة نمرود، نشر أعضاء التنظيم شريط مصور لعناصره أثناء تدميرهم بالجرافات والمعاول والمتفجرات مدينة نمرود الآشورية الأثرية بشمال العراق والتي يعود تاريخ بنائها إلى القرن 13 قبل الميلاد، قبل أن يقوموا بتفخيخها وتفجيرها بالكامل، وبعد سيطرة التنظيم بأيام على الموصل، تعرض تمثال صاحب ديوان "الحماسة" للتدمير فى يونيو من العام الماضي، وفي نهاية العام تعرض "مرقد الأربعين" بمدينة تكريت للتفجير، والذي كان يضم رفات 40 جندي من جيش الخليفة عمر بن الخطاب خلال الفتح الإسلامى.

وفي تكريت، تعرضت الكنيسة الخضراء للتدمير وهى التي تعود لنحو 1300 عام في تكريت، بمحافظة صلاح الدين وكانت مسرحا للمجزرة التي تعرض لها المسيحيون على يد المغول في عام 1258، وفجروا مسجد السلطان ويس التاريخى وسط مدينة الموصل، بنهاية عام 2014 أيضا، بخلاف المساجد التاريخية وسط مدينة الموصل والذي يعود تاريخه لعام 1838 ويعتبر أحد أقدم المساجد التاريخية فى محافظة نينوى.

لم يكن لعام 2015 حظا أوفر مما سبقها، ففي يناير يناير 2015 نشر صور لقلعة "تلعفر" غربى الموصل يظهر على جدرانها أضرار كبيرة، وبعدها بشهر واحد دمر مسلحون من تنظيم داعش الآثار الآشورية التاريخية فى متحف الموصل، حتى ظهر في المقاطع المصور مجموعة من أعضاء التنظيم داخل المتحف يستخدمون المطارق وأدوات الحفر لتدمير عدد من التماثيل الضخمة يعود تاريخهم للقرن 9 قبل الميلاد.

أرتبك المشهد السوري كثيرا عقب الثورة التي قامت في الأساس للإيقاع بالرئيس السوري بشار الأسد، إلا أن الأمور تمحورت حتى دخلت في طور لا يحمد عقباه، لحظة وراء الآخرى، ظهر تنظيم "داعش" وبات أحد الكيانات التي عاثت في الأرض فسادا وتفجيرا وتدميرا للأثار هناك، فبحسب الأمم المتحدة، تعرض أكثر من 300 موقع أثرى سورى للأضرار والتدمير والنهب.

مع بدايات عام 2015 وبالأخص في 21 يونيو الماضي فخخ جهاديو التنظيم المتطرف المواقع الأثرية لمدينة تدمر بالألغام والعبوات الناسفة، وأعدموا أكثر من 200 شخص داخل المدينة وخارجها، في حين أقدم التنظيم المتطرف قبل أقل من أسبوع على قطع رأس المدير السابق للآثار بتدمر خالد الأسعد، في حين وصفت اليونيسكو وفرنسا الواقعة بكونها جريمة "وحشية".

تحول مسرح "تدمر" الرومانى والذى بنى قبل ألفى عام من معلم أثرى مشهور إلى ساحة للقتال، فقتل فيها أعضاء التنظيم الكثير بعد فرض سيطرته على المدينة الأثرية في مايو 2015، بجانب هدمة الأضرحة الدينية، وتفجير مقامين دينيين بمدينة تدمر الأثرية، في يونيو وكانا مزار محمد بن على المتحدر من عائلة الصحابى على بن أبى طالب، والعلامة التدمرى أبو بهاء الدين.

في شهر أغسطس دمر أعضاء التنظيم دير "مار إليان الناسك" بمدينة القريتين بمحافظة حمص وسط سوريا، واليوم، أعلن المدير العام للآثار والمتاحف في سوريا مأمون عبدالكريم عن قيام تنظيم "داعش" بتفجير 3 مقابر أثرية على شكل أبراج في مدينة تدمر، وجاء نقلا عن قناة "العربية" الإخبارية أن تنظيم داعش فجر 3 مقابر على شكل أبراج، من أجمل المقابر والتي حافظت على تماسكها منذ عصور.


مواضيع متعلقة