ألم يكن الحوار المجتمعى أجدى؟

على السلمى

على السلمى

كاتب صحفي

صدر قانون الخدمة المدنية رقم 18 لسنة 2015 فى الثانى عشر من شهر مارس الماضى، ليحل محل قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة رقم 47 لسنة 1978، وليمثل، كما تقول الحكومة، بداية لإصلاح الجهاز الإدارى للدولة!
ومنذ صدور القانون، ومع إعلان وزير التخطيط والمتابعة والإصلاح الإدارى عن قُرب صدور اللائحة التنفيذية لذلك القانون فى بداية تطبيقه منذ أول يوليو الماضى، تفجّرت ثورة الموظفين ضده وتصاعدت دعوات ممثليهم للمطالبة بوقف العمل به إن لم يكن إلغاؤه وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه أيام القانون السابق، وبصفة خاصة عدم المساس بأجور العاملين فى الدولة وحوافزهم التى كان القانون الملغى ينظمها بشكل يراه الكثيرون من موظفى الدولة أفضل مما جاء به القانون الجديد. وكانت ثورة الموظفين ضد القانون أقوى ما تكون، خاصة فى مصلحتى الضرائب والجمارك، وفى وزارة الآثار والجهاز المركزى للتنظيم والإدارة، وفى وحدات متعددة من الجهاز الإدارى للدولة.
ومن أهم ما يثيره المعارضون لقانون الخدمة المدنية أنه لم يتم طرحه بشكل جاد للحوار المجتمعى، المفروض أن يكشف ما قد يكون به من سلبيات أو تغول على حقوق ومصالح شرائح معتبرة من أصحاب الشأن المخاطبين به، والذين ستتأثر مصالحهم ومراكزهم القانونية بما قد يأتى به من تغييرات، سواء كانت سلباً أو إيجاباً.
ويتشابه قانون الخدمة المدنية مع كل أو أغلب القوانين التى صدرت منذ 30 يونيو 2013 فى عهد الرئيس المؤقت عدلى منصور، والرئيس المنتخب عبدالفتاح السيسى، والتى تكاد تقترب من ثلاثمائة قرار بقانون، حيث جمع الرئيسان السابق والحالى بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، بسبب عدم وجود برلمان، وذلك على الرغم من تعهدهما بعدم استخدام السلطة التشريعية إلا فى أضيق الحدود، ووفق ما تتطلبه ظروف الوطن من ضرورة التعامل مع مشكلات حادة أو مواقف طارئة.
ورغم ذلك العدد الهائل من القوانين التى أصدرها الرئيسان «منصور» و«السيسى»، فلم يكن الحوار المجتمعى جزءاً من أسلوب الحكومة لشرح مشروعاتها، وبيان أهميتها للوطن وضرورات الاستعجال فى إصدارها قبل أن تجرى الانتخابات التشريعية.
وذلك ما حدث من حكومة «الببلاوى» التى أصرت على استصدار قانون تنظيم التظاهر، دون مناقشة مع القوى السياسية والمنظمات المجتمعية، مما أثار موجات من الغضب والاحتجاج من جانب شرائح مجتمعية مؤثرة رأت فى ذلك القانون تغولاً من السلطة التنفيذية على حق المواطن فى التعبير، فخرجت التظاهرات ضده، وتمت محاكمة كثير من المتظاهرين وصدرت ضدهم أحكام بالسجن، ولا تزال أصداء وآثار هذا القانون السلبية تتفاعل على الصعيدين المحلى والخارجى، والمطالبة بإلغائه.
ولم تكن قوانين الكيانات الإرهابية ومكافحة الإرهاب أو قرار رئيس الجمهورية الصادر فى 24 أكتوبر 2014 بأن تتولى القوات المسلحة حماية المنشآت العامة وإحالة المعتدين إلى القضاء العسكرى، لم تكن أحسن حظاً، رغم عدم تفعيلها أو وضعها موضع التنفيذ الجاد من جانب الحكومة من حيث طرحها للحوار المجتمعى وكسب رضا المواطنين عنها، باعتبارها ضرورة لحماية الوطن من أخطار الإرهاب المتصاعدة والمستمرة، رغماً عن إصدار تلك القوانين!
وبكثير من الانفراد بالرأى، يباشر وزراء الحكومة التصعيد فى مواجهة الرأى العام بالإعلان عن مشروعات قوانين تصطدم بمصالح شرائح مجتمعية مهمة، بالأسلوب نفسه من حيث استصدار قرارات من رئيس الجمهورية بقوانين ليس لها صفة الاستعجال، وتتعارض مع مبدأ عدم استخدام السلطة التشريعية لرئيس الجمهورية، إلا فى أضيق الحدود، والانتظار لحين تشكيل مجلس النواب المقبل حتى يتاح للنواب من ممثلى الشعب فحص تلك المشروعات ومناقشتها مع الحكومة، وهى ضمانات لحسن التشريع وتعبيره عن أهداف ومنافع وطنية، ولرفع الحرج عن الرئيس بإصداره قرارات بقوانين ستتعرّض للفحص والتقييم والموافقة عليها أو تعديلها أو رفضها، عملاً بنص المادة 156 من الدستور التى تنص على أنه إذا كان مجلس النواب غير قائم، يجوز لرئيس الجمهورية إصدار قرارات بقوانين، على أن يتم عرضها ومناقشتها والموافقة عليها خلال خمسة عشر يوماً من انعقاد المجلس الجديد.
ومن تلك القوانين المرشحة لإثارة عواصف من النقد والاعتراض من جانب أصحاب الشأن، مشاريع قانون الجامعات الجديد، وقانون المستشفيات الجامعية الجديد، وقانون التأمينات الموحد، وقانونى زيادة الرسوم القضائية، ودعم صندوق الرعاية الصحية اللذين أعلنت نقابة المحامين رفضها لهما، وقانون الإدارة المحلية، رغم أن الدستور سمح باستمرار العمل بنظام الإدارة المحلية القائم إلى أن يتم تطبيق النظام المنصوص عليه فى الدستور بالتدريج خلال خمس سنوات من تاريخ نفاذه. وتضم قائمة مشروعات القوانين ما يقرب من عشرين مشروعاً بقانون ليس لجميعها صفة الاستعجال، ومن الأفضل أن تتقدم بها الحكومة التى ستشكل بعد انتخاب مجلس النواب.
ولما لم يكن القصد من هذا المقال تكرار الحديث عن السلبيات والمشكلات التى يبرزها المعارضون لقانون الخدمة المدنية على سبيل التحديد، بل إن الغرض هو التحذير من ظاهرة إسراف الحكومة فى السعى لدى الرئيس لاستصدار قرارات بقوانين لا تتصف بالاستعجال، وإن كانت مهمة، ولا مبرر لإثارة الزوابع حولها وتجييش المعترضين عليها من أصحاب المصالح المتعارضة بطبيعتها مع رؤية الحكومة.
نكتفى بتأكيد أن قانون الخدمة المدنية، الذى أثارت اعتراضات الموظفين عليه غضب الرئيس، لا يمكن أن يكون بمفرده هو السبيل إلى إصلاح الجهاز الإدارى للدولة على النحو الذى تقول به الحكومة، وهو الأمر الذى يبدى الرئيس اهتماماً بالغاً به، وإذ كان من الواجب تفعيل خطة وزارة الإصلاح الإدارى كاملة وليس فقط إصدار عنصر وحيد منها هو قانون الخدمة المدنية، لكى يتحقق إصلاح حقيقى لجهاز مترهل يحتاج إلى إعادة تأسيس وإعادة بناء وليس الإصلاح أو الترميم.
وفى ضوء ما يثيره استصدار الحكومة قرارات بقوانين تتفق مع توجهاتها دون النظر إلى آراء ذوى الشأن ممن تمس تلك القوانين مصالحهم، ألم يكن عرضها فى حوارات مجتمعية ديمقراطية أجدى؟