حلول مصر في صياغة الوثيقة العربية

لينا مظلوم

لينا مظلوم

كاتب صحفي

في تجاهل لكل السيناريوهات الخيالية التي يدور حولها هذيان وسائل الإعلام الإسرائيلي، اعتمادا على آراء محللين وقادة عسكريين سابقين تدور حول بث مزاعم تعكس تخوفا من مستوى الحشود العسكرية للجيش المصري على الحدود، في ترويج لما قد يكون استعدادا لعمل عسكري يقوم به الجيش المصري.

لم يكن مفاجئا انضمام كتائب جماعة الإخوان الإرهابية لهذه الادعاءات طالما اتفقت أكاذيب الطرفين على بث السموم ضد مصر، فكيف يكون الحال ومصر تتصدّر المشهد الآن -بل هي قاربت على الانتهاء فعلا من وضع استراتيجية خطة إعادة إعمار غزة دون تهجير سكانها- إذ بالإضافة إلى دورها التفاوضي مع جميع الأطراف عبر الأعوام الماضية ظهر دورها الرئيسي في صياغة الوثيقة العربية.

أبرز بنود الوثيقة وقف إطلاق النار في غزة لمدة لا تقل عن 10 سنوات.

منطقيا، سيصطدم أي تحرك لاجتماع دولي أو عربي حول قضية إعادة الإعمار بضمان حاسم يضع حدا للجرائم الوحشية، التي يهدد باستئنافها قادة اليمين المتطرف الإسرائيلي على قطاعي غزة والضفة الغربية بعد الانتهاء من تسليم الرهائن الإسرائيليين.

الأرقام الهائلة التي رُصدت لإعادة الإعمار لا يمكن النجاح في توفيرها دون ضمانات دولية جادة.

أما إنسانيا، وهو آخر اعتبار يضعه الكيان الصهيوني في حساباته، فلا يمكن أن يستمر تغاضي المجتمع الدولي عن خطط تعريض الشعب الفلسطيني للتهجير إلى مناطق مختلفة من أرضه هربا من القصف الإجرامي الذي تشنّه إسرائيل.

وبالتالي لا بد من وقف إطلاق النار لفترات طويلة كخطوة مبدئية لإجراء إنشاء لجنة من الدول المانحة تُشرف على صرف الأموال في غزة، وأيضا تكامل عناصر الخطة المصرية لإعادة الإعمار بأيدي الشعب الفلسطيني نفسه تحمل بادرة إيجابية تضمن توفير فرص عمل لأهل غزة دون الحاجة إلى تهجيرهم خارج القطاع.

الوثيقة تضمّنت حلا منطقيا عن إشكالية أثارت الكثير من الرؤى والسجال السياسي حول التساؤل عن «اليوم التالي».

إذ يضمن تشكيل لجنة انتقالية فلسطينية لإدارة غزة -دون مشاركة حركة «حماس»- حق أصحاب الأرض الذين تعرّضوا عبر التاريخ لتدخلات من أطراف كثيرة تسلب إرادة شعب في تقرير حقوقه على أرضه.

الطرح الواقعي لهذا البند يُمثّل الرد العملي على التساؤل من جانب الإدارة الأمريكية عن البديل مقابل الرفض العربي والدولي لمخطط التهجير الذي طرح بعد عملية طوفان الأقصى من الجانب الإسرائيلي وتبنّته إدارة الرئيس الأمريكي ترامب لاحقا.

لذا يبدو الحل الوحيد المقبول هو ما أعلنه الشعب الفلسطيني وإصراره على حكم أنفسهم في ظل مناخ مستقر أمنيا دون تدخّلات خارجية مستقبلا.

تسريع وتيرة إعمار قطاع غزة وتسليم سلطة القطاع إلى أصحابه إحدى أهم الأوراق المصرية أمام التمسّك الإسرائيلي الأمريكي بخطة التهجير.

كلا الطرفين على دراية بقوة هذه الأوراق المصرية، وبالتالي لم تكن التصريحات الوقحة، التي أكد فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو رفضه هذه المرة وجود السلطة الفلسطينية -الممثل الشرعي للشعب- في غزة إضافة إلى حماس!

هذا اللغو دفع مصر إلى التمسّك بثوابتها وتقديم البديل الموضوعي، لا سيما أن الإدارات الأمريكية على اختلافها تنظر إلى مصر باعتبارها ركيزة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، دولة محورية لا يمكن تجاوزها أو القفز على قراراتها.

وبالتالي هي على يقين أنّ التفريط في علاقتها مع مصر لا يندرج ضمن مصالحها.

إذ مهما بلغ اندفاع الرئيس الأمريكي في تهديداته العدوانية سيجد نفسه مُجبرا على مراجعة نفسه إذا ما تعلّق الأمر مثلا بإبطال مفعول اتفاقيات السلام في حال حدوث أي اعتداء على سيادة مصر وأراضيها.

بعد مراحل مفاوضات معقّدة وطويلة بين مصر وجميع الأطراف الفلسطينية، نجحت على أثرها مصر في احتواء حماس نحو موقف أكثر عقلانية وتجرّد عن أي مصالح شخصية مع إعلان الأخيرة استعدادها عدم المشاركة مستقبلا في خطة اليوم التالي طالما كان ذلك في مصلحة الشعب الفلسطيني، وهو ما يقطع الطريق أمام كل الذرائع التي تحاول إسرائيل خلقها من أجل إفشال الخطة المصرية والوثيقة العربية.