مصير زيارة الرئيس إلى واشنطن
تتعامل الدولة المصرية بحذر كبير فى كل ما يتعلق بملف العلاقة مع الإدارة الأمريكية الجديدة، تتحرّك وكأنها تسير وسط حقل من الألغام، فيما توظف بذكاء خطابها الدبلوماسى وتمنحه قدراً من «خشونة» تزيد حدتها وفق منحنى الضغوط الأمريكية المتصاعدة، التى تحتاج إلى أعصاب من فولاذ كى لا ينفلت رد أو سلوك يدفع الأمور إلى ما لا يحمد عقباه.
وسط هذا الجو الملبد، لا يزال الغموض يحيط بمصير زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى واشنطن، والتى كانت قد أعلنت عنها وأكدتها مصادر إعلامية عربية، فيما التزم الإعلام المصرى الصمت الواعى فى تعامله مع أخبار هذه الزيارة التى لم تعلن الرئاسة المصرية عنها حتى الآن.
واختلف مراقبون فى جدواها وقيمتها وأثرها على مجريات الأحداث فى الشرق الأوسط، وذهب البعض إلى ضرورة الاعتذار عنها، خاصة بعد تلويح الإدارة الأمريكية بـ«المساعدات الاقتصادية»، كوسيلة ضغط على مصر كى تفتح حدودها لاستقبال الفلسطينيين الذين تنوى إدارة ترامب تهجيرهم من وطنهم وأرضهم، تمهيداً لشراء «غزة» وتحويلها إلى «ريفيرا»، وفق ما صرح به الرئيس الأمريكى الذى رفع شعار «أمريكا أولاً» خلال حملته الانتخابية، والذى يبدو أنه تبدّل بعد تنصيبه ليصبح «غزة أولاً».
ومع تقديرى لمنطق الرافضين للزيارة، وتأكيداً على دعمنا الكامل والدائم للقيادة السياسية الواعية والحكيمة فى إدارتها لهذا الملف المفخّخ، فإننى ومن منطلق رؤيتى التى تظل محدودة مقارنة بحيز الرؤية لدى صانع القرار وأجهزة الدولة المعاونة له، فإن ظنى بالزيارة أنها مهمة فى كل أحوالها، لكن الأهم ما سيحمله الرئيس معه من أوراق جديدة تخص ملف القضية القديمة، قضية فلسطين، فهل لدى مصر والعرب أى تصور مغاير لما هو مطروح منذ سنوات؟، أو لما تطرحه علينا الإدارة الأمريكية من أفكار (قبيحة) هى فى مجملها درب من الجنون.
إن أشد ما تطاردنا به الإدارة الأمريكية الحالية، أنه لا يوجد لدينا أى تصور بديل للتهجير، حلاً لأزمة أهالى قطاع غزة، وهو بالطبع حق يُراد به باطل، ليس فقط لمحدودية الحركة فى طرح أى أفكار بسبب التعنّت الإسرائيلى المستمر والمراوغة الدائمة فى ما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطينى، ولكن لعدم وجود أى مرجعية دولية تستطيع الفصل والتحكيم حال أى خلاف، لتبقى الولايات المتحدة الأمريكية بتحيّزها المعهود، هى الحكم الوحيد لحسم مصير الصراع.
كما أن التمسّك بالثوابت العربية، والتمترس خلفها لن يحافظ بمفرده على الحق الفلسطينى، فلدينا أوراق ضغط متعدّدة، شريطة الاصطفاف العربى خلفها، وهو أمر يدرك العدو قبل الصديق صعوباته وتعقيداته، لكن استثمار اللحظة بوجود خطر مشترك يجمع أغلب الدول العربية، ربما ينجح فى إذابة الحواجز والبحث عن مساحات مشتركة للاتفاق والتناغم.
واستبقت الدولة المصرية الزيارة بالإعلان عن الرفض القاطع للأفكار الأمريكية لليوم التالى فى غزة، وتصدّر شعار (لا للتهجير) الأجندة الشعبية والرسمية فى مصر، ولم تتردّد الحكومة المصرية فى الإعلان عن اتخاذ إجراءات احترازية حال استمرار التصعيد الأمريكى، خاصة ما يتعلق بالضغوط الاقتصادية ومسألة المعونة، ورغم صعوبات معيشية تواجه المصريين، فإن إجماعاً واسعاً تحظى به القيادة السياسية دعماً لمواقفها الوطنية المشرفة فى ما يتعلق بالمواجهة المستمرة مع أفكار التهجير واستهداف القضية الفلسطينية، وكذلك دعم الجهود المصرية الساعية لاستمرار وقف إطلاق النار فى غزة والمحافظة على استمرار تنفيذ مراحله ومحطاته المختلفة، وتجاهد الوساطة (المصرية القطرية) لتذليل العقبات وإذابة الخلافات بين طرفى اتفاق الهدنة لضمان تنفيذه والمحافظة عليه.
كما تعطينا الزيارة المهمة لوزير الخارجية المصرى إلى الولايات المتحدة الأمريكية مؤشرات يؤسس عليها فى مصير الرحلة الرئاسية المتوقعة إلى واشنطن، خاصة بعد أن التقى الدكتور بدر عبدالعاطى عدداً من أركان الإدارة الأمريكية الجديدة من المسئولين عن ملفات الشرق الأوسط، ومنهم وزير الخارجية ماركو روبير، ومستشار الأمن القومى مايك والتز، ومبعوث الرئيس الأمريكى للشرق الأوسط ستيف وتيكوف، كما حرص على مقابلة عدد من قيادات الكونجرس بغرفتيه (النواب والشيوخ)، حاملاً للجميع رسائل واضحة من القاهرة، تتلخص فى دعم الشراكة الاستراتيجية، وتعزيز التعاون بين مصر والولايات المتحدة، والتشديد على رفض تهجير الفلسطينيين.
ويبقى القول الفصل فى مصير زيارة الرئيس، مرجعه إلى عوامل تخص مصر وقدرها القيادى بين أشقائها، يأتى فى مقدمتها الحرص المصرى على استقرار المنطقة، والدفاع الصادق عن مشروع السلام كإطار حاكم للصراع العربى - الإسرائيلى، يُكلله حل الدولتين كجزء من سياق إنهاء هذا الصراع، مع التمسّك بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو سنة 1967 وعاصمتها «القدس الشريف»، وفق المرجعية التى ارتضاها الشعب الفلسطينى عندما اختارت فصائله السياسية بقيادة منظمة التحرير طريق السلام كوسيلة لحسم الصراع عندما وقّع الراحل أبوعمار على اتفاقية أوسلو سنة 1993.