الأميرة رشا يسري تكتب: كيف تستخدم إسرائيل الإعلام للضغط على مصر؟

فى خطوة أثارت تساؤلات سياسية وإعلامية، نشرت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية صورة تجمع بين الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى، والرئيس الإيرانى الراحل إبراهيم رئيسى، فى تقرير يتناول موقف مصر الرافض للتهجير القسرى للفلسطينيين. ورغم عدم وجود أى إشارة مباشرة إلى إيران فى متن التقرير، فإن اختيار هذه الصورة تحديداً حمل رسائل سياسية غير مباشرة، مما يفتح باب النقاش حول الدلالات الإعلامية والسياسية لهذه الخطوة.

هذا الاستخدام المدروس للصورة يثير تساؤلات حول أهداف الصحيفة الإسرائيلية، وهل كان مجرد خطأ تحريرى، أم أنه جزء من استراتيجية إعلامية أوسع تستهدف مصر عبر التلميحات البصرية؟ ولماذا تم اختيار هذه الصورة بالذات فى سياق الحديث عن رفض القاهرة مخطط التهجير القسرى؟

اختيار الصور فى الإعلام: رسائل غير مباشرة

فى الصحافة الإسرائيلية، لا يُترك اختيار الصور المصاحبة للتقارير الإخبارية، خاصة الحساسة منها، للصدفة. فالمحررون غالباً ما يعملون فى هذه الملفات تحت إمرة أجهزة الاستخبارات هناك، ويستخدمون الصور لإيصال رسائل قد لا تكون واضحة فى النص، وهو ما يُعرف بـ«التلاعب بالسياق البصرى». لذلك عندما اختارت «جيروزاليم بوست» صورة «السيسى» مع «رئيسى» لترافق تقريراً حول موقف مصر من قضية فلسطينية، فإن ذلك لم يكن مجرد قرار عشوائى، بل يحمل رسائل ضمنية.

دلالات نشر الصورة فى سياق التهجير القسرى

استخدام هذه الصورة فى تقرير لا علاقة له مباشرة بإيران، يشير إلى أن نشرها لم يكن خطأ من محرر الصور فى التقرير، بل خطوة محسوبة بعناية. ويمكن تحليل الرسائل الكامنة خلف هذا الاختيار من عدة زوايا:

1 - وضع مصر وإيران فى سلة واحدة

إسرائيل تعتبر إيران عدوها الأول فى المنطقة، وتسعى دائماً إلى عزلها سياسياً.

عبر نشر صورة «السيسى» مع «رئيسى» فى تقرير عن موقف مصرى مناهض لسياسة إسرائيل فى غزة، تحاول الصحيفة الإيحاء بأن مصر تتّخذ موقفاً مشابهاً لموقف إيران العام من إسرائيل، وأن السلام بين القاهرة وتل أبيب سلام صورى.

الرسالة هنا موجّهة إلى الرأى العام الإسرائيلى والدولى بأن «مصر وإيران سواء، وكلتاهما تمثل تهديداً لإسرائيل».

2 - محاولة التحريض على مصر داخل الأوساط الأمريكية

إسرائيل تعتمد بشكل كبير على الدعم الدولى، خاصة من الولايات المتحدة، التى تتبنى موقفاً متشدّداً تجاه إيران.

عبر نشر صورة تجمع بين «السيسى» و«رئيسى»، تحاول الصحيفة إثارة الشكوك داخل الأوساط السياسية الأمريكية حول مدى التزام مصر بعلاقاتها الأمريكية.

يمكن لهذا التلميح أن يُؤثر على شكل التعاون العسكرى بين القاهرة وواشنطن.

3 - التهديد المبطن للرئيس المصرى

هذه النقطة هى الأخطر، حيث يمكن قراءة نشر الصورة ضمن سياق الاغتيال المنسوب إلى إسرائيل ضد الرئيس الإيرانى.

إسرائيل، وهى كثيراً ما تلمح وبشكل واضح إلى تورّطها فى اغتيال الرئيس الإيرانى إبراهيم رئيسى، فإن نشر صورته مع «السيسى» قد يحمل رسالة تحذير أو تهديد غير مباشر.

كأن الصحيفة تقول ضمنياً: «كما تخلصنا من رئيسى، يمكننا التخلص من السيسى إذا وقف فى طريقنا».

هذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الصحيفة لم تستخدم صورة أحدث تجمع «السيسى» بالرئيس الإيرانى الجديد، وهو ما يُؤكد أن الهدف لم يكن مجرد الإشارة إلى العلاقات المصرية - الإيرانية، بل توجيه رسالة تهديد خفية.

4 - محاولة تشويه موقف مصر من التهجير القسرى

موقف مصر الرافض لتهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء يضعها فى خلاف مباشر مع المخططات الإسرائيلية.

من خلال وضع هذه الصورة، تحاول الصحيفة الإيحاء بأن موقف مصر لا ينبع من اعتبارات سيادية ووطنية خالصة، بل ربما بسبب علاقات سرية مع إيران تجعل القاهرة وطهران فى كفة واحدة.

الهدف من ذلك هو التشكيك فى دوافع الموقف المصرى، وجعله يبدو وكأنه جزء خفى من محور المقاومة، وليس انطلاقاً من ثوابت مصرية وسيادية ترفض التهجير.

5 - التأثير على الرأى العام العربى والدولى

فى السياق الدولى، يمكن أن يكون هذا الاستخدام محاولة لرسم صورة لمصر يبدو فيها أمام حلفائها الغربيين الذين يعارضون إيران بشدة، أن العلاقات المصرية الإيرانية فى السر غيرها فى العلن.

فى السياق الخليجى، قد يكون الهدف إثارة الجدل حول موقف مصر، وجعلها تبدو وكأنها تتقارب مع إيران على حساب علاقاتها مع دول الخليج، مما قد يخلق حساسيات إقليمية.

علاقة «جيروزاليم بوست» بالمؤسسات الأمنية الإسرائيلية

صحيفة «جيروزاليم بوست» ليست صحيفة عادية، بل تعتبر واحدة من أهم المنصات الإعلامية التى تخدم التوجّهات السياسية والأمنية الإسرائيلية، وتقدّم تغطيات تخدم فى كثير من الأحيان أجندات الحكومة الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية.

هل كانت الصورة مجرد «خطأ تحريرى»؟

من المستبعد أن يكون نشر الصورة مجرد خطأ غير مقصود. اختيار صورة لا تمت بصلة مباشرة لموضوع التقرير، يشير إلى أنها كانت جزءاً من استراتيجية إعلامية محسوبة.

فى النهاية، هذه الواقعة تكشف مجدداً كيف تستخدم إسرائيل أدواتها الإعلامية، ليس فقط لنقل الأخبار، بل أيضاً لتوجيه رسائل خفية تخدم أجنداتها السياسية والأمنية. ويبقى السؤال الأهم: كيف ستتعامل مصر مع مثل هذه الحملات الإعلامية الموجّهة؟ وهل ستتخذ خطوات لمواجهة التلاعب الإعلامى الإسرائيلى؟

التفاف الشعب المصرى حول الرئيس السيسى

منذ اندلاع العدوان الإسرائيلى على غزة ومحاولات فرض سيناريوهات التهجير القسرى، ظهر الموقف المصرى واضحاً وحاسماً فى رفض أى مساس بالسيادة المصرية أو تصفية القضية الفلسطينية عبر التهجير إلى سيناء. لم يكن هذا الموقف مجرد تصريحات دبلوماسية من الرئيس السيسى والخارجية المصرية، بل كان موقفاً وطنياً يعكس قناعة القيادة المصرية وإرادة الشعب المصرى، الذى أثبت عبر التاريخ وقوفه صفاً واحداً مع قضايا الأمة العربية.

الالتفاف الشعبى الذى ظهر خلال الساعات الماضية حول الرئيس عبدالفتاح السيسى فى رفضه القاطع أى تهجير للفلسطينيين جاء ليؤكد أن مصر ليست مجرد دولة كبرى فى المنطقة فحسب، بل هى الحصن العربى المنيع الذى لا يقبل الضغوط أو الإملاءات.

فعندما أعلن الرئيس السيسى قبل ساعات وبوضوح شديد أن «مصر لن تقبل أى تهجير من غزة إلى سيناء»، كان ذلك بمثابة تأكيد جديد على ثوابت السياسة المصرية التى ترفض أى حلول تنتقص من حقوق الفلسطينيين أو تهدّد الأمن القومى المصرى.

إن موقف القاهرة لم يكن مجرد رفض لحظى، بل كان جزءاً من جهود دؤوبة للحفاظ على حقوق الفلسطينيين ومنع تحويل سيناء إلى ساحة لتصفية القضية الفلسطينية. التفاف المصريين حول قيادتهم فى هذا الملف يعكس وعياً وطنياً عميقاً وإدراكاً لحجم التحديات التى تواجه مصر والمنطقة، وهو ما ظهر جلياً فى دعم الجماهير لموقف القيادة المصرية، والتأكيد على أن مصر لن تكون طرفاً فى أى مخطط يستهدف تفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها، بل ستظل داعماً أساسياً لصمود الفلسطينيين فى أرضهم حتى تحقيق حقوقهم المشروعة.