اختلفوا وجمعهم «ترامب».. رجال الرئيس الأمريكي المنتخب

اختلفوا وجمعهم «ترامب».. رجال الرئيس الأمريكي المنتخب
«هذه المرة.. الأمر سيختلف»... جملة يقولها كثيرون مقربون من الرئيس الأمريكى المنتخب «دونالد ترامب»، فى إشارة إلى فترة رئاسته الثانية، التى فاز بها بعد مواجهة ضد الرئيس «جو بايدن»، ومواجهة أكثر قِصراً بعدها، ضد نائبته «كامالا هاريس».
المقرّبون من «ترامب» يقولون إن فترة رئاسته الثانية ستكون مختلفة عن فترته الرئاسية الأولى التى واجه فيها الكثير من العداوات من أطياف متعدّدة فى المجتمع الأمريكى: من وسائل الإعلام ورجال الأعمال والنُّخب المثقفة، وحتى من بعض أجهزة القضاء والأمن الأمريكى، والتى انتهت بحدث لم تشهده الديمقراطية الأمريكية من قبل، وهو اقتحام أنصار «ترامب» لمبنى «الكابيتول» خلال جلسة للكونجرس فى ٦ يناير ٢٠٢١، بعد خسارة رئيسهم الانتخابات، بتحريض من «ترامب» نفسه، كما اتهمه القضاء فى ما بعد.
«ترامب».. رجل الشعب الذى أجاد قراءة عقلية الناخب الأمريكى فى مناسبتين مختلفتين، وعرف كيف يُحول الهزيمة إلى انتصار، يعود الآن إلى قمة السياسة الأمريكية، دون أن يجد أمامه مقاومة تُذكر. هزيمة الديمقراطيين القاسية أمامه جعلت حزبه المنافس يُصاب بدوار، وينشغل فى كواليسه الداخلية، محاولاً تحديد مكمن الخلل والخطأ. وسائل الإعلام التقليدية التى كانت تناصبه العداء من قبل صارت تختاره «شخصية العام» وتتنافس فى وضع صورته على أغلفتها. أصحاب منصات التواصل الاجتماعى الذين وقفوا ضده بعد اقتحام أنصاره مبنى «الكابيتول» ووصلوا أحياناً إلى حد إغلاق حساباته، كما فعل «فيس بوك»، يصطفون الآن للحصول على مقابلة معه، وفتح صفحة جديدة، لنسيان ما فات.
حتى الناخبون الأمريكان من أصول أفريقية ولاتينية، ومعهم النساء كذلك، من الذين قيل إنهم سيكونون حتماً سبباً فى تفوق منافسته «كامالا هاريس» عليه، صوتوا له بنسبة فاقت كل توقّعات المراقبين.
هذه المرة إذن، الأمر سيختلف. لكن ما الذى تغير؟
تعهد بالإفراج عن أنصاره المحبوسين فى اليوم الأول لرئاسته.. ولا ينسى من أظهر له الولاء
مستشارة «ترامب»: الرئيس الأمريكى المنتخب رجل معقّد يقدم أفكاراً بسيطة.. عكس باقى السياسيين.. ورجال «الفترة الثانية» محترفون.. عكس الفترة الأولى الذين لم يتوقعوا فوزه
«ترامب» ما زال هو «ترامب»، الرجل الذى يعرف ما الذى يريده أنصاره ويقدّمه لهم بعبارات مباشرة وواضحة. شعار حملته ورئاسته ما زال هو نفسه: «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً»، وسياسته فى التعامل مع العالم الخارجى ما زالت تتلخص فى كلمتين: «أمريكا أولاً».
لكنّ ما تغير هو الرجال الذين يحيطون بـ«ترامب».. هؤلاء المحترفون والمغامرون الذين وضعوا أنفسهم -بكل ثقلهم- وراء الرئيس الأمريكى السابق ليجعلوه الرئيس المنتخب من جديد. هؤلاء الذين لم تُخِفهم عزلة الرئيس السابق بعد خروجه من البيت الأبيض، ولم يستوحشوا من القاعات الخاوية فى قصره الخاص فى منتجع «مارالاجو»، بل راهنوا على قدرتهم على أن يملأوها من جديد بطوابير من الشخصيات المهمة التى تصطف من أجل الحصول على مقابلة، ولو لدقائق خاطفة مع الرئيس الأمريكى.
هؤلاء الذين راهنوا، وفازوا، ونجحوا. هؤلاء الذين يقدّمون للعالم كله درساً فى كيفية صناعة سياسات الرئيس الأمريكى، والاستعداد لولايته الرئاسية قبل أن تبدأ.
واليوم، يقدّم «ترامب» إلى العالم فريق حكمه الذى تكوّن من تحالف يضم أطيافاً متعدّدة، أسهمت كلها فى فوزه بالانتخابات الرئاسية، كما تقول مجلة «تايم» الأمريكية التى اختارته ليكون «شخصية العام» على غلافها: اختار أشخاصاً غير تقليديين، لكنهم يُظهرون إخلاصاً شديداً له ولسياساته لتولى مسئوليات مكتب التحقيقات الفيدرالى والاستخبارات الوطنية ووزارة الدفاع، وحافظ على بعض الخيارات «التقليدية» لإدارته مثل السيناتور «ماركو روبيو» لوزارة الخارجية، والخبير المالى «سكوت بيسينت» لوزارة الخزانة. واختار وزيراً مؤيداً لحقوق النقابات والعمال ليتولى وزارة العمل فى حكومته، فى رسالة طمأنة للطبقة العاملة التى منحته أصواتها، فى الوقت نفسه الذى منح فيه المليارديرات مناصب عُليا لطمأنة الأغنياء الذين تبرّعوا له، تأييداً لسياساته التى تهدف للحد من الضرائب.
كافأ «ترامب» منافسه السابق فى الانتخابات «روبرت إف.كينيدى جونيور» الذى تخلى عن السباق الرئاسى لصالحه بمنحه وزارة الصحة. إلا أن تخلى «كينيدى» عن السباق الرئاسى لصالح «ترامب» كانت له قصة ظهرت فيها الكيفية التى أجاد فيها رجال «ترامب» التحرّك وراء الكواليس.
جاء انسحاب «كينيدى»، الذى نجح فى كسب الكثير من أصوات الشباب الأمريكان، بعد تدخل «دون جونيور»، ابن الرئيس «ترامب» و«سوزى وايلز»، مديرة حملته الانتخابية (التى كافأها بعد فوزه بمنحها منصب كبير موظفى البيت الأبيض). كان «دون جونيور» يخشى أن يسحب «كينيدى» عدداً مهماً من الأصوات التى يمكن أن تكون حاسمة فى فوز أبيه، خاصة فى الولايات المتأرجحة، فبدأ يُجرى اتصالات سرية بمديرة حملة «كينيدى»، لكى ينسحب من السباق ويُعلن تأييده لـ«ترامب». وانضم إليهم «جى. دى. فانس»، نائب الرئيس «ترامب» الذى يقول لمجلة «تايم»: «كانت رسالتنا لـ«كينيدى» بسيطة: أنت لن تكسب الانتخابات، ولن يكون لك تأثير على الانتخابات سوى حرمان «دونالد ترامب» من الأصوات. لماذا إذن لا تضع الخلافات جانباً وتنضم فعلياً لفريقنا، لنُركز كلنا على الأمور التى تهمنا جميعاً؟».. واقتنع «كينيدى».
وعن تلك اللحظة تقول «سوزى وايلز»: «كانت تلك واحدة من أهم اللحظات فى حملتنا الانتخابية. لم يضع ذلك حداً للتهديد الذى كان يمثله «كينيدى» وحسب، لكنه أتاح لنا أن نوسّع قاعدة الناخبين التى تصوت لنا من الحزب الجمهورى».
جاءت دفقات قوية من أصوات الناخبين الجدد لـ«ترامب» من بين صفوف متابعى «إيلون ماسك»، أغنى رجل فى العالم، وصاحب منصة «إكس» ومجموعة «تسلا»، بعد أن أعلن تأييده لـ«ترامب» وضخّ ما يزيد على ربع مليار دولار لدعم حملته، محولاً منصة «إكس» إلى أداة دعائية فعّالة لصالح «ترامب». ولعب «ماسك» أيضاً دوراً محورياً فى طمأنة رؤساء شركات التكنولوجيا الكبرى الذين كانوا يحملون مخاوف كثيرة إزاء «ترامب» فى فترته الرئاسية الأولى. واليوم أصبح «ماسك» واحداً من المليارديرات الذين يملكون اتصالاً مباشراً بالرئيس الأمريكى، وصار يتولى مع ملياردير آخر، هو «فيفيك راماسوامى»، رئاسة لجنة تهدف إلى خفض الإنفاق الحكومى وتقليص حجم (وحكم) البيروقراطية الأمريكية فى كل نواحى الحياة بحلول عام ٢٠٢٦.
كلهم محترفون يحسبون خطواتهم جيداً، يجمعهم الولاء الشخصى لـ«ترامب»، أو الاقتناع القوى بسياساته، وهو أمر لم يكن واضحاً فى رجال «ترامب» خلال فترته الرئاسية الأولى. صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية، التى اختارت «دونالد ترامب» أيضاً ليكون شخصية العام، كما فعلت من قبل عند فوزه الأول فى الانتخابات الأمريكية عام 2016، كانت صاحبة هذه الملاحظة المهمة: أنه فى المرة الأولى التى فاز فيها «ترامب» بالانتخابات، كان الفريق المحيط به قد تم تكوينه على عجل، مجموعة من الخبراء الذين تم جمعهم سريعاً، ليُشكلوا مجموعة لمساعدة الرئيس الأمريكى الجديد فى اتخاذ قراراته. الواقع أنه فى انتخابات 2016 لم يكن أحد يتوقع أن يفوز «ترامب» على منافسته الديمقراطية وقتها «هيلارى كلينتون».
شكّل فوز «ترامب» مفاجأة للجميع، بمن فيهم «ترامب» نفسه. كانت حملته السابقة تواجه معارضة شرسة حتى آخر لحظة من قلب الحزب الجمهورى نفسه، وكانت الوجوه التى تدير الملفات المهمة فيها دائمة التغيير، كما لو كانت «دخيلة» وغريبة عليه. لم يكن «ترامب» يملك خطة واضحة لسياساته بعد الانتخابات، وكانت جهوده كلها موجّهة للفوز بانتخابات لم يتوقع أحد أن يفوز بها.
أما هذه المرة، فهو لا يعتمد على «الأغراب»، وإنما اختار عدداً من المحترفين والخبراء لإدارة حملته ورئاسته منذ اللحظة الأولى التى قرّر فيها إعادة الترشّح. صار من الواضح بالنسبة له مَن معه ومَن ضده، ومَن الذى يريده فى فريقه ومَن الذى لن يسانده فى تطبيق سياساته؟ قرّر «ترامب» بالفعل أن عدداً ممن سيتولون المناصب المهمة فى إدارته سيكونون ممن يعتنقون شعاره «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً»، وهو الشعار الذى وُلد مع حملته السابقة فى 2016، وأخذ وقته فى النُّضج، حتى أصبح اليوم عنواناً لحركة سياسية ضخمة (يطلق عليها اختصاراً اسم «ماجا»)، لها أنصار وأتباع ووجوه بارزة.
من هذه الوجوه، كان المحترفون الذين أداروا حملة «ترامب» التى أوصلته إلى فترة رئاسة ثانية، مثل «كريس لاسيفيتا»، و«سوزى وايلز»، و«جى دى فانس» الذى اختاره «ترامب» نائباً له، ووصفه البعض بأنه «وجه اليمين الأمريكى الجديد».
لكن «ترامب» لا يكتفى هذه المرة باختيار كبار الموظفين وأصحاب المناصب الوزارية فى إدارته القادمة وحسب، لكنه أظهر اهتماماً خاصاً، كما تؤكد «فاينانشيال تايمز»، باختيار الصف الثانى من الموظفين فى البيت الأبيض، ممن يشغلون وظائف أقل أهمية، لكنها ليست أقل حساسية من أصحاب المناصب الكبرى. لقد تحول منتجع «مارالاجو»، الذى يُقيم فيه «ترامب» حالياً، إلى خلية نحل تمتلئ بالمتقدّمين لشغل وظائف فى إدارة الرئيس الأمريكى المنتخب. يحرص «ترامب» على مقابلتهم بنفسه، والنظر مباشرة إلى أعينهم لمعرفة مَن الذى يصلح للعمل معه فى فترته الرئاسية المقبلة، ومَن الذى سيظل مخلصاً له مهما تبدّلت الأحوال والظروف.
ربما لأنه لم ينسَ بعد كل رجاله الذين أداروا ظهورهم له بعد هزيمته فى الانتخابات السابقة أمام «جو بايدن» فى ٢٠٢٠.
تحكى «فاينانشيال تايمز» عن ذلك اليوم الفاصل فى حياة «ترامب»، قائلة إنه: «فى ٢٠ يناير ٢٠٢١، صعد «دونالد ترامب» على متن الطائرة الرئاسية الأمريكية لآخر مرة، كما ظن كثيرون، عائداً إلى منتجعه الخاص فى «بالم بيتش». لم يظهر فى ذلك اليوم سوى عدد قليل من مساعدى «ترامب» لتوديعه فى قاعدة «سانت أندروز» الجوية التى أقلعت منها طائرته. قبلها بقليل، كان «ميتش ماكونيل»، زعيم الجمهوريين فى مجلس الشيوخ الأمريكى، قد وصفه بأنه «إنسان حقير». أما «روبرت ميردوخ»، مالك قنوات «فوكس» الإخبارية، والذى كان أكبر مشجعى «ترامب»، فتعهد فى إحدى رسائل بريده الإلكترونى الخاصة، بأن يحول «ترامب» إلى «شخص نكرة».
بدت الصورة فى هذه الفترة وكأن معظم أمريكا والعالم يتفقون مع وصف الرئيس «بايدن» لرئاسة «ترامب» بأنها كانت «وقتاً فظيعاً». لكن ذلك لم يمنع من وجود قلة من الرجال المخلصين ظلوا متمسكين بـ«ترامب» على امتداد الأشهر التالية، كان منهم أسماء مثل «كاش باتيل» و«بيتر نافارو» و«ستيفن ميلر»، و«ستيف بانون»، الذى كان يشغل منصب كبير مستشارى الرئيس للشئون الاستراتيجية خلال العام الأول من رئاسته السابقة. والذى يصف الفترة التى ظل فيها رجال «ترامب» المخلصون يحيطون به بعد خروجه من البيت الأبيض وبعد أن هجره الجميع، قائلاً: «كنا أقرب إلى مجموعة من القراصنة (لا يقترب أحد منهم).. أما الباقون فبدا وكأنهم يريدون نسيان «ترامب» ومحو اسمه من ذاكرتهم».
لكن «ترامب» لم ينسَ هؤلاء الذين وقفوا معه فى تلك اللحظة بعد عودته منتصراً إلى البيت الأبيض للمرة الثانية، وقرّر أن يحفظ العالم أسماءهم معه، فعيّن مستشاره «ستيفن ميلر» نائباً لكبير موظفى البيت الأبيض، وعيّن مستشاره ورجل الاقتصاد الأمريكى البارز «بيتر نافارو» مستشاره الأول للإدارة والتصنيع.
لكن الاختيار الذى جعل خصوم «ترامب» يضعون أيديهم على قلوبهم هو ترشيحه لـ«كاش باتيل» لتولى منصب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالى «إف بى آى».
هذه الاختيارات كشفت للعالم أن «ترامب» لا ينسى أحقاده القديمة، وأنه يستعد بمجموعة من «الصقور» الذين عُرف عنهم صلابة المواقف والحسم فى المواجهات، وشدة الولاء والانتماء إلى الرئيس الأمريكى المنتخب، لكى يتولوا إدارة الملفات الأمنية والاستخباراتية التى قد تشمل فى جزء منها، ملاحقة من كانوا يلاحقون «ترامب» من قبل، مما جعل البعض يعتبرهم فريق «المنتقمين»، الذى لن ينسى ثأر «ترامب». تقول «فاينانشيال تايمز»: «إن اختيار «ترامب» لـ«باتيل» لكى يشغل منصب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالى، مع العلم بأن «باتيل» شديد الولاء والإخلاص لرئيسه، ولديه قائمة معلنة بأسماء «الأعداء»، تجعل من المرجّح أن «ترامب» سوف يسعى للنيل من خصومه داخل أمريكا والانتقام منهم». هذه القائمة من الخصوم واسعة للغاية، تمتد أحياناً لتشمل الرئيس «جو بايدن» ونائبته «كامالا هاريس»، وأسماء من الجهاز القضائى الأمريكى الذين لم يكفّوا عن ملاحقة «ترامب» ورجاله بتهم مختلفة منذ خروجه من البيت الأبيض، و«نانسى بيلوسى»، زعيمة الديمقراطيين والمتحدثة السابقة باسم الكونجرس الأمريكى، والتى عُرفت بعدائها الشديد لـ«ترامب»، وغيرهم.
اختيارات «ترامب» لرجاله الذين يتولون الملفات القضائية والأمنية والعسكرية تكشف عن أسماء لا تقل صلابة ولا ولاءً له عن «باتيل». تقول «فاينانشيال تايمز»، إن «ترامب» رشّح «بام بوندى»، وهى واحدة من أشد مناصريه، لتولى منصب المدعى العام (قد تقرّر ملاحقة خصومه أيضاً)، ورشّح «بيت هيجسيث»، المذيع فى قناة «فوكس» الإخبارية الذى بنى شهرته على محاربة مشاعر «العداء لأمريكا» حتى فى قلب «البنتاجون» نفسه، لتولى منصب وزير الدفاع، واختار «تولسى جابرد» لتولى منصب مدير الاستخبارات الوطنية، وهى كما عُرف عنها «عدو لدود للدولة العميقة»، شديدة الولاء لـ«ترامب».
إلا أن كل الأسماء، وكل الأموال المتدفّقة من المليارديرات ورجال الأعمال، لم تجعل «ترامب» ينسى قاعدة أنصاره الحقيقية، ورجاله الذين لم يتخلوا حقاً عنه: هؤلاء هم المحبوسون فى أحداث مبنى «الكابيتول» بعد اقتحامهم له فى ٦ يناير ٢٠٢١، احتجاجاً على إعلان خسارة «ترامب» للانتخابات. هؤلاء الذين وصفتهم النّخبة السياسية والثقافية الأمريكية بأنهم «رعاع» و«غوغاء»، والذين تعهد «ترامب» بأن يسعى لإصدار عفو عنهم منذ اليوم الأول لرئاسته القادمة.
هؤلاء «الرعاع» الذين حرص الرئيس الأمريكى على أن يسمع صوتهم فى قاعة مليئة بالمليارديرات، وهم يؤدّون النشيد الوطنى، كأنه يُرسل رسالة إلى أصحاب الشركات الكبرى بأنه، حتى إن كان يرحب بأموالهم، إلا أنه لا يحتاج إليها، كما أن قوته الحقيقية تستند إلى شعبيته بين أنصاره الذين يمثلون «أمريكا الحقيقية»، والذين بلغ ولاؤهم له حد الهجوم على المؤسسات الديمقراطية الأمريكية، وتحمُّل السجن بعد هذا الهجوم.
قصة «نشيد الرعاع» أمام «نادى المليارديرات» برعاية «ترامب»، ترويها صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية. فى تلك القصة، وقف عدد من كبار المستثمرين والمليارديرات، منهم «مارك زوكربرج»، الرئيس التنفيذى لشركة «ميتا»، التى تملك «فيس بوك» و«إنستجرام»، فى عشاء جمعهم مع «ترامب» قبل عيد الشكر بيوم فى قصره بمنتجع «مارالاجو». وضع المليارديرات والرؤساء التنفيذيون لكبرى الشركات أيديهم على قلوبهم، وهم يستمعون إلى تسجيل للنشيد الوطنى الأمريكى بأصوات عدد من المتهمين من أنصار «ترامب» المحبوسين فى أحداث الشغب حول مبنى «الكابيتول». ولم يكن هناك إعلان قبلها أن النشيد الوطنى المذاع هو من أداء «كورس» من أنصار «ترامب» المحبوسين.
بعد أحداث الشغب فى ٢٠٢١، قرّر «فيس بوك» تعليق حسابات «ترامب» بعد اتهامه بتحريض أنصاره. أما اليوم، فمن المعروف أن شركة «ميتا» التى يرأسها «زوكربرج» قد تبرّعت بمليون دولار لصندوق تنصيب «ترامب»، وتبرّعت «أمازون»، ورئيسها التنفيذى «جيف بيزوس»، بمبلغ مماثل، رغم أن «أمازون» قد تعهدت من قبل، بعد أحداث «الكابيتول»، بوقف التبرّعات التى تقدّمها للنواب الجمهوريين الذين أبدوا اعتراضاً على فوز «جو بايدن» عام ٢٠٢٠.
كل من «زوكربرج» و«بيزوس» كان يسعى لإصلاح العلاقات المتوترة مع «ترامب»، ولفتح صفحة جديدة مع الرئيس المنتخب الذى وقفا ضده من قبل، رغم أن أحداً منهما لن يُحقق المكاسب التى حقّقها رجال المال والأعمال الذين ظلوا مخلصين لـ«ترامب» عندما أدار له العالم ظهره. فمثلاً، كافأ «ترامب» رجله المخلص «هاوارد لوتنيك»، الرئيس التنفيذى لشركة «كانتور فيتزجيرالد» بمنصب وزير التجارة، بينما اختار المستثمر «سكوت بيسنت» لمنصب وزير الخزانة.
فى الوقت نفسه، لم يغلق «ترامب» الباب أمام «القادمين» الجُدد، وأوصل إليهم رسالة بأنه «يحمل كل الود للمديرين التنفيذيين، ويحثهم على التواصل معه بشكل شخصى»، وهو الأمر الذى استقبله المديرون التنفيذيون ورؤساء شركات التكنولوجيا العملاقة بترحاب، وتسابقوا لحضور حفلات جمع التبرّعات التى أقامها فى «مارالاجو» من أجل دعم لجان مشروعه السياسى الأكبر «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً»، رغم أن سعر تذكرة الحضور، كما قالت «وول ستريت جورنال» قد وصل إلى مليون دولار. وسعى الرئيس التنفيذى لشركة «جوجل» «سوندار بيتشاى» بدوره للقاء «ترامب» فى «مارالاجو» لإصلاح أى سوء تفاهم بينهما، مُتتبعاً خُطى «جيف بيزوس» الرئيس التنفيذى لـ«أمازون»، الذى كان يُعتبر عدواً معلناً لـ«ترامب» بسبب ملكيته لصحيفة «واشنطن بوست»، والتى لم تكن مساندة دائماً للرئيس المنتخب، الأمر الذى تسبّب فى خسارة «أمازون» الكثير من الأرباح.
وعندما أراد «بيزوس» إصلاح علاقته مع «ترامب» لم يجد أمامه أفضل من اللجوء إلى ابنة الرئيس الأمريكى «إيفانكا».
«إيفانكا ترامب»، التى ما زالت «سر أبيها»، رغم اعتزالها العمل العام، قبلت صداقة «جيف بيزوس»، الذى دعاها مع زوجها «جاريد كوشنر»، لحضور احتفاله بعيد ميلاده الستين فى منزله فى «بيفرلى هيلز»، وصار بعدها يتواصل مع «ترامب» بانتظام، كما يقول أحد المقربين منه. وكانت النتيجة أن صحيفة «واشنطن بوست» أعلنت قبل فترة قصيرة من الانتخابات الرئاسية الأخيرة، أنها ستُحطم التقليد الذى اعتاد عليه قراؤها لعقود، ولن تُعلن تأييدها مرشحاً بعينه (كان من المتوقع أن تُعلن تأييدها لمنافسى «ترامب»)، لتخسر بذلك القرار ما يقرب من ربع مليون مشترك، وفقاً لتقرير الصحيفة نفسها.
إلا أن «بيزوس»، فى المقابل، ربح بفضل «إيفانكا» دعوة لكى يتناول هو وخطيبته «لورين سانشيز» العشاء مع الرئيس المنتخب، بعد أسبوع من عيد الشكر، فى منتجع «مارالاجو».
«إيفانكا» ليست السيدة الوحيدة فى الدائرة المحيطة بـ«ترامب» ممن أسهمن فى نجاح النسخة الجديدة من الرئيس السابق. هناك أيضاً «كيلى آن كونواى»، مديرة حملة «ترامب» السابقة فى ٢٠١٦، التى ظلت مستشارة مقرّبة منه، والتى قالت لمجلة «تايم»: «إن «دونالد ترامب» شخص معقّد يُقدم أفكاراً بسيطة، والكثير من السياسيين الآخرين على العكس من ذلك. ولذلك يفهم «ترامب» روح العصر والاتجاهات الثقافية فى المجتمع الأمريكى». وهو ما أكدته مجلة «تايم» بقولها: «إن كلمات «ترامب» وجدت صدى واسعاً لدى الأمهات وأصحاب المعاشات، لدى الرجال من ذوى الأصول الأفريقية واللاتينية، لدى شباب الناخبين وعمالقة التكنولوجيا. وفى الوقت الذى كان الحزب الديمقراطى يتصور فيه أن غالبية من فى البلاد يريدون رئيساً يحافظ على قيم الليبرالية الديمقراطية، رأى «ترامب» أمامه أمة مستعدة لتحطيم هذه القيم، بعد أن سيطر عليها شعور متزايد بأن النظام كله قد أصبح زائفاً».
وربما كانت واحدة من أكثر القضايا التى شهدت صداماً بين القيم الليبرالية وسياسات «ترامب»، هى قضية الإجهاض. وهى القضية التى لفتت «سوزى وايلز»، مديرة حملة «ترامب» الأخيرة نظر الرئيس الأمريكى إلى أنها يمكن أن تكلفه الرئاسة كلها، لو أصر على موقفه السابق بأنه «لا بد أن يكون هناك نوع من العقاب» للنساء اللاتى يجرين عمليات للإجهاض، وهو الموقف الذى كانت تدعمه قاعدة عريضة من أنصار «ترامب» المحافظين، لكنها كانت تكلفه عدداً كبيراً من أصوات النساء. وبالتالى، وكنتيجة لتدخل «وايلز»، قرر «ترامب» تعديل موقفه، وأن يترك كل ولاية تحدّد قوانينها الخاصة حول الإجهاض. مما جذب إليه مزيداً من أصوات النساء.
«وايلز» لعبت دوراً أيضاً فى إقناع «ترامب» بأن يُنهى عداوته الطويلة للتصويت عبر البريد والتصويت المبكر الذى طالما وصفه بأنه طافح بالتزوير، بعد أن قدّمت له تقريراً يُظهر له أنه فى عام ٢٠٢٢، كان من الممكن أن يحسم التصويت عبر البريد الانتخابات لصالح الجمهوريين، وانضمت إليها «لارا» زوجة «إريك» ابن «دونالد ترامب»، التى اختارها الرئيس المنتخب بنفسه لتشارك فى رئاسة اللجنة الوطنية للحزب الجمهورى، وكانت أحد أكبر الوجوه الداعمة له خلال حملته الرئاسية، إلا أن الوحيد الذى نجح فى إقناع «ترامب» كان «روب جليسون»، النائب الجمهورى السابق عن ولاية «بنسلفانيا»، الذى قال لـ«ترامب»: «سيدى، إن أنصارك يريدون التصويت لك، ولا يريدون الانتظار، يريدون أن يفعلوا ذلك بأسرع ما يمكنهم، إنهم ينتظرون الإذن منك».
ومنحهم «ترامب» الإذن، لأنه استمع إلى أصوات رجاله المحترفين والمخلصين، فمنحه الأمريكان أصواتهم.