حديث الوعي
يتردد الآن بكثرة «حديث الوعي» في الأوساط الإعلامية والسياسية، وذلك مفهوم، أحد أدوار الإعلام هو إثارة أو استنهاض الوعى وتجديده، لكن السؤال المهم الوعى بماذا ومن الذين يراد استثارة الوعى لديهم؟ هل هم عموم الأفراد أم قطاعات بعينها منهم؟
يظهر حديث الوعى مع استشعار خطر ما أو حين يراد الانتقال من مرحلة إلى أخرى أو من سياق اجتماعي وسياسي إلى سياق آخر مغاير بعض الشيء، وقد عرفنا ذلك في حياتنا وفي تاريخنا القريب والبعيد.
وما يجري في المنطقة من حولنا أثار قلق ومخاوف الكثيرين، تأمل الوقائع في غزة وفي الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر، السنة الماضية، عملية إبادة شاملة لشعب بأكمله، إما أن يغادر الديار إلى سيناء والأردن أو أي مكان آخر أو الإبادة التامة، يحدث ذلك والقانون الدولي في إجازة.
على حدودنا الجنوبية الدنيا مشتعلة بين أشقاء البلد الواحد، وكل من طرفي الصراع يعلن أنه على استعداد لمواصلة الحرب لمدة مائة عام، للتذكرة فقط الحرب تدور داخل نفس البلد، القاتل والمقتول من أبناء البلاد، العالم نفض يده مما يجري في السودان باعتبارها حربا أهلية، أو شأنا سودانيا خاصا، وهكذا في كل اتجاه حولنا تتطاير النيران، في الغرب حيث ليبيا الشقيقة، الأمور ليست مطمئنة، في القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر، نيران لا تهدأ، أشقاء اليمن في معاناة حقيقية منذ سنوات، الفارون يأتون إلينا ولا بديل عن حسن الاستقبال وكل واجبات الضيافة.
ما ينبغى الانتباه إليه أن هذه النيران سوف تحاول الامتداد إلينا بالفعل، ذلك أنّ المشاريع لإعادة رسم الخرائط والجغرافيا تشمل المنطقة كلها ونحن في القلب منها. صحيح أن الانفجار يقع في هذا البلد أو ذاك، لكن العمل والتخطيط يتناول المنطقة كلها، مشروع الشرق الأوسط الجديد ونظرية الفوضى الخلاقة، تتناول كل المنطقة.
نحن في حالة تحول جديدة، في سنة 1979 نشبت حرب أفغانستان، ومعها ظهرت مجموعات المجاهدين وفى القلب منها ولد تنظيم القاعدة وسائر التنظيمات الأخرى.
فى السنة نفسها (1979) كان التحول نحو نموذج «ولاية الفقيه»، مع الثوره الإيرانية والعمل على تصدير ذلك النموذج إلى المنطقة برمتها، دفعت شعوب المنطقة أثمانا باهظة، لتلك المرحلة.
مع حرب غزة ونظرية «وحدة الساحات»، التي تراجعت إلى الاكتفاء بمقولة «الإسناد» بدأ نموذج ولاية الفقيه في الانكشاف والتراجع، وجهت إسرائيل ضربات ثقيلة لهذا المشروع، عرفنا جميعا مدى اختراق المخابرات الإسرائيلية لهؤلاء جميعا، الآن نحن بصدد مشروع مقابل، بطله مجموعات العنف والإرهاب من الإسلام السياسى.
هذا المشروع الجديد يحمل غطاء عثمانيا/ صهيونيا، لاحظ ما جرى ويجري في دمشق للتأكد، نحن بإزاء نسخة أخرى (سنية) من ولاية الفقيه.
المشروع كله في سائر نسخه يقوم على كراهية العرب والعروبة، مع التركيز على مصر بشكلٍ خاص جدا، وهذا ما يعنينا.
مصر المجتمع والدولة والتاريخ وكذلك الجغرافيا مستهدفة من كهنة ذلك المشروع.
محور الممانعة كان تطويرا لجبهة «الصمود والتصدي»، المحور والجبهة من قبله كانت لمناكفة المشروع الوطني المصري في استعادة سيناء وتحرير كامل ترابها.
الغريب أنه في مرحلة «ولاية الفقيه» رفعوا شعار «ع القدس رايحين، شهداء بالملايين»، لكنهم عمليا لم يذهبوا إلى القدس، بل اتجهوا بجحافلهم نحو شمال سيناء وتحدثوا عن «فتح مصر»، والصلاة في جامع عمرو بن العاص، أما القدس فقد اكتفوا بالحديث عنها، ثم مدوا خيوط التواصل والتفاهم العميق مع إسرائيل.
النسخة الجديدة تحاول مد حبل الوداد مع إسرائيل والتجاهل المطلق للقدس وللقضية الفلسطينية بل والجولان أيضا، بينما كان سلاح الجو الإسرائيلي يدك أسلحة الجيش السوري وتتقدم قواته قرب القنيطرة ويصلي الحاخامات في جبل الشيخ، كان التهليل في المسجد الأموي والحديث عن «فتح دمشق».
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث منذ أكتوبر سنة 2023، عن أن إسرائيل بصدد تغيير المنطقة لمدة خمسين عاما، في الأيام الأخيرة انطلق من دمشق حديث مشابه، ربما بالكلمات نفسها، لن نذهب إلى مدرسة فرويد للبحث في دلالة هذا الترادف بين المفردات، لكن قادم الأيام سوف يكشف لنا كل شىء.
هل ذلك آخر المخاطر أم بداياتها؟
بحكم التاريخ والخبرات الممتدة يمكن أن تكون البدايات وهذا ما يجب أن ننتبه إليه.
ودون رغبة في استثارة المخاوف، حدودنا مقدسة ولا ملاذ لنا سوى الدولة الوطنية/المدنية الحديثة.