ناصر عبدالرحمن يكتب: الشخصية المصرية (2).. التفاصيل

مصر بلاد التاريخ والجغرافيا والسياسة، بلاد اجتماعية، سهلة يعيش أهلها فى سهل قلبه شريان النيل، ليس المطر ولا الآبار ولا الينابيع العذبة، لكنه النيل الذى يفتح حضنه ليسع المصريين.. المصرى له شخصية تتميز بالوسطية، تتميز بالمرونة، وكذلك تتميز بالتفاصيل الخاصة.. تفاصيل المصرى حياة، وحياته فى التفاصيل دون تعب يصنع ويتجلى بالتفاصيل التى تضيف على حياته الكثير، لا يأكل دون صنع عشرات التفاصيل: الطبلية، السمر والضحك، التزاحم والتجمع حول اللقمة.. تجده حول عربة الفول يصنع الألفة مع من حوله: البصل الأخضر والعيش والصراخ والصياح والمناكفة.. تجده فى الغيط لمة وصحبة، فى الدكان، فى المصنع، يأكل ويسمى الأكلة غدوة، يضع على العسل الأسود الطحينة، وعلى البصارة التقلية، والملوحة بالليمون.. يسمى الكيك «الهشتكة» و«القشطوط» و«القنبلة» و«الزغزغة» و«الفتاكة» و«النحنحة».. يسمى على الطعام ويتودد له بتعريف كله دلع.

فى الاستاد وقبل إطلاق المباريات يصنع الدخلات والأغانى والهتاف والتحفيل.. فى السينمات يشاهد الفيلم ويضحك ويتشارك ويتوحد ويشارك برأيه.. أمام شاشات التليفزيون الاندماج وأكل السودانى واللب وأكواب الشاى.. فى الأفراح تفاصيل المصرى لا تنتهى بداية بفكرة المونولوجيست ثم المطرب الشعبى ثم المهرجانات ثم الراب والدى جى.. تفاصيل المصرى فى أفراح سرادقات الشارع من النقطة من السلام من الرقص ومن بوفيه الطعام، الذى بدأ بالكسكسى ثم الشربات ثم إطلاق النيران وحتى تقديم المشروبات والشيش وعلب الحلويات.

فى العزاء تفاصيل ممتدة منذ مصر القديمة كما هى الندابة، العديد والبكاء، وارتداء الملابس السوداء.. حتى أيام العزاء ثلاثة أيام ثم أول جمعة ثم الخمستاشر ثم الأربعين، التفاصيل فى الأفراح وفى العزاء وفى العرس والزواج، تفاصيل متراكمة منذ المصرى القديم، ينطبق ذلك على التفاصيل اليومية فى البيوت وفى الشوارع والحارات، تفاصيل بين الأخوات والأصحاب كلها عميقة تنقل من زمن لزمن من جيل لآخر، الجلوس على المقاهى ولعب الطاولة والدومينو.

تفاصيل الشخصية المصرية متوارثة فى صلاة الجمعة تفاصيل مصرية، فى أيام رمضان يوم المصرى وصيامه وإفطاره غير بعد الإفطار ولعب الكرة فى دورات رمضان، الدين فى مصر تفاصيل غير، الحلاق والكوافير الحريمى، التفاصيل اليومية للمصرى غير، يأكل اللب والقصب ويشرب السوبيا، عجن الكحك وتقطيع الكرنب غير، يأكل المُرتة ويلعب البلى غير، تفاصيل المصرى تصنع الاختلاف، والفن يلتقط التفاصيل ويصنع منها الحكايات، كل ما سبق مطمع، إرثك مطمع، تفاصيلك مطمع، فنونك مطمع، يحاربك الآخر ويسرق خيال الظل ويسرق السمر، حتى تخسر ملامح شخصيتك.

التفاصيل الشخصية للشخصية المصرية، مثل التوابل مثل الصلصة مثل الخلطة التى تصنع الاختلاف بين الأطعمة، التفاصيل تسرق، والتنوع الثقافى فى يومية المصرى يسرق، وهذه المواجهة قديمة، منذ ظهور بلاد ليست لها تاريخ اجتماعى قديم، مثل أمريكا وبعض الدويلات الحديثة، تدفع الأموال وتفسد أهل الفن، لكى تقتل حياة التفاصيل، عندك أيها المصرى، إن كنت لا تدرى أن حياتك الاجتماعية قائمة على تراكم التفاصيل الحياتية، أنت مرآة تفاصيلك، عندما ترى فيلماً ومسرحية أو تسمع أغنية أو تقرأ قصيدة أو قصة أو رواية، يجب أن تعيش وتتوحد مع تفاصيل شخصية اجتماعية حياتية إنسانية تخص الشخصية المصرية، أما أن تقلد حياة وتفاصيل الشخصية الأمريكية التى بلا جذور ولا تاريخ ولا عمق تفاصيل تعتمد على الفردية وعلى البراجماتية وعلى الوصولية وعلى الرأسمالية وعلى قانون المادة وألهة المال وعائلة القهر والسلطة وللأسف أبعاد.

المبدع صاحب التفاصيل الموهوب الخاص المتوحد مع مجتمعه والمطور بالامتزاج والخصوصية المصرية، أبعاد المبدع المتأصل صاحب الجذور، وتقريب أصحاب الورش، الأجرية، متوسطى الموهبة بحماية من ناقد غير موهوب وناقد غير أمين وناقد مسلوب، دينه المصلحة والمكسب المادى.. تدمير التفاصيل والحضور الاجتماعى.. التوحد غائب مع الأعمال الفنية، يجعل الجمهور الشاب يستهلك تفاصيل لا تخص مجتمعه، لذلك تتمحور الخطورة فى محو التفاصيل الاجتماعية، وتسطيح الشخصية المصرية فى الأعمال الفنية، لصالح مجتمعات جديدة لا تملك حياتنا وحضارتنا ولا تفاصيلنا المتعاقبة المتراكمة منذ آلاف السنين.

هذه التفاصيل صنعت شخصية مصرية لها ملامح وسمات، تختلف عن بلاد الدنيا، يتجسد رسوخ تفاصيل الشخصية المصرية فى اصطحاب المصرى حياته الاجتماعية وتفاصيلك اليومية فى حياته بالخارج، سواء مصرى مهاجر أو مصرى يعمل بالخارج أو مصرى فى أوروبا أو أمريكا أو فى الخليج، يتمسك بتفاصيله ويورثها لأبنائه ولأهله، هكذا ليثبت عمق وتجذر الشخصية المصرية، فى قلوب شعبه، تحيا تفاصيل المصرى، تحيا أيامه القديمة وأيامه الجديدة، تحيا حياتنا الاجتماعية السهلة البسيطة.. اللهم فاشهد.