ما فعلته «الفتوة» في «المطبخ»
- الإدارة المركزية
- رئيس لجنة
- عادل عبد المنعم
- لجان امتحانات
- لجنة النظام والمراقبة
- مدينة نصر
- أداء
- أزهر
- أسبوع
- الإدارة المركزية
- رئيس لجنة
- عادل عبد المنعم
- لجان امتحانات
- لجنة النظام والمراقبة
- مدينة نصر
- أداء
- أزهر
- أسبوع
يقال إن «دخول الحمام مش زى خروجه»، لكن الأكيد أن دخول المطبخ مستحيل أن يكون كالخروج منه، وسط هدير ماء الصنبور، وأصوات الأوانى، و«شكشكة» الصلصة، ثمة ما يقع هناك فى تلك المساحة الصغيرة، عالم سحرى يُخلق، عامر بالروائح الطيبة، والمشاعر الدافئة، والمذاق اللذيذ، وأيضاً الكتابة الاستثنائية.
تخيل معى «فتوة كتابة» تدخل إلى المطبخ تعد أطباق الأرز باللبن، تخبز السينابون وكيك الشيكولاتة، وتكور كفتة الأرز، وتعجن البيتزا.. حسناً النتيجة هى «ثورة الفانيليا» تلك الكتابة الآسرة القادمة من عالم لذيذ ومؤلم فى الوقت ذاته، بأجواء سكندرية تحمل خصوصية شديدة، تأخذك هبة الله أحمد من يديك إلى عالم بطلتها، لن تدعك تفكر أو تقرر فهى تعلم كل شىء وسوف تخبرك بكل شىء على مدار الصفحات.
حين تمسك بـ«ثورة الفانيليا»، الصادرة عن دار كتوبيا للنشر والتوزيع، سوف تجدك فجأة هناك، فى ذلك المكان الذى سجنت فيه البطلة نفسها طواعية، تقول: «قد ترى يا عزيزى أننى سجنت نفسى فى مساحة 24 متراً مربعاً، وطن صغير من بوتاجاز وحوض وثلاجة ضخمة وغسالة وأدوات مرصوصة بعناية ورخامة طويلة لتحضير الطعام، وراديو وشباك قابعة عليه قطة تشاكس ياسمينة، وعصفور يحاول الانفلات داخله، وعنكبوتة استأنست بالروائح الدافئة.. الأمر يا صديقتى أبعد وأكثر ألفة من ذلك».
هكذا وعقب عدة سطور ستجدك جالساً معها على طاولتها الصغيرة التى تتوسط المطبخ، وتحبها «البطلة» كثيراً، تصير على مهل جزءاً من هذا العالم، تتأملها وهى تغسل الصحون بينما تحدثك عن كالفن هول ويونج، تمنحك الفرصة لتجلس إلى جوارها حين تكتب الرسائل، وتقطف الملوخية، وتعد العجين، مع الوقت سوف تصير جزءاً من ذلك المطبخ السحرى، تنتظر الطعام والحب والأمان وتفكر فى كل هذا العالم المرعب الذى يقبع هناك خارج نافذة المطبخ.. عالم غارق فى الأوبئة والحروب والحزن والخذلان.
تقول «هبة»: «تقطيف الملوخية ورقة ورقة، أو تقطيع الكوسة تمهيداً لتفريزها على أنغام أغنية راقصة تنبعث من الراديو هى أحداث بسيطة لكنها تُفقد الهواجس هيبتها وتنزع عن الوحدة قناعها الجامد».
يحمل هذا الكتاب مجموعة من المفارقات اللافتة، فبينما يعد المطبخ رمزاً لقهر المرأة وتحديداً إلزامياً لمهامها الجندرية، بالنسبة للبعض، إلا أن «هبة» تعترف بأريحية: «إننى أجد وقوفى فى المطبخ وحيدة، هو استيلاد لخيالات جامحة، بوابة لحيوات تمنيت عيشها».
الراديو، والوصفات، والأغنيات، وهواء الإسكندرية، تفاصيل حميمة تكتمل بذلك الشوق الجارف لشخص ليس هنا، تكتب إليه بطلة الكتاب على مدار الصفحات دون كلل أو ملل، بينما روح عامة من الإحباط تسيطر على الجميع، أنت وهى والجميع يعرف أن المخاطب بالرسائل لا يستحق، تقول البطلة: «نعم أنا خائفة، برغم يقينى أنك لن تقرأ كلماتى تلك إلا أننى أتخيلك، ترفع حاجبك الأيسر لأعلى مستوى له، وتلوى شفتيك بابتسامة ساخرة حين تقرأ خائفة..».
ربما حان الوقت لتعرف أن هذه المجموعة اللذيذة فازت بجائزة ساويرس الثقافية، فى دورتها السابقة، بفرع القصة لكبار الأدباء، وهو فوز مستحق، ففى هذه المجموعة الساحرة التى تحمل عنواناً فرعياً هو «رسائل من المطبخ»، سوف تدرك أن الجوع أحياناً يكون لشخص صادق، ولقليل من التقدير، ربما جوع لجملة «تسلم إيدك» تقال ولو لمرة واحدة بلطف وحب عميقين، أو لـ«وجود» حقيقى، وليس خيالياً، ممن نحب.. ليس الجوع دائماً للطعام، أو كما تقول «هبة»: «أشبه الصبارة كثيراً، بأشواكها التى نضجت من قلة الاحتضان، وصموتها الصامد ونبل زهرتها التى تطل مرة واحدة فى العمر».