«هيكل» الآخر.. الإنسان ليس جهاز كمبيوتر!
ذات مساء، انتهى الفنان التشكيلى «جورج البهجورى» من رسم لوحة تعبيرية عن عبقرية الأستاذ هيكل، فتخيّل رأسه كوحدة بث واستقبال إلكترونية تخرج منها الأسلاك والإشارات.
المعنى المقصود من اللوحة هو قدرات «هيكل» الاستثنائية على الفهم الواسع والحفظ السريع والإنتاج الغزير وإجراء عمليات الرصد والتحليل والتنبؤ.
وصلت اللوحة إلى الأستاذ، فتوجه بالشكر والامتنان لصانعها.
لكنه فى قرارة نفسه لم يكن راضياً؛ لأن الإنسان ليس جهاز كمبيوتر، على حسب ما كان يعتقد.
هذه الواقعة تصلح أن تكون مدخلاً لفهم المساحات غير المرئية فى تجربة «هيكل» بعيداً عن أضواء الصحافة وضجيج السياسة.
خلال رحلة عملى على إعداد وكتابة الفيلم الوثائقى «هيكل.. سيرة الأستاذ»، قررت ألا أتوقف عند «صحفى القرن» الذى نعرفه، ولا عند كاتب فلسفة ثورة يوليو، ولا صائغ الخطابات الكبرى، ولا صانع السياسات العامة، ولا المفكر الاستراتيجى والمؤرخ السياسى الذى تُرجمت كتبه إلى 25 لغة.
قلت لنفسى: حسناً، سيكون من الجيد فهم كل ذلك، لكن يبقى هناك شىء آخر يجب الوصول إليه ثم معرفته ثم فهمه. هذا الشىء البعيد عن الأضواء، المختبئ فى مساحات الظلال الهادئة.. هو «هيكل الآخر».
فى أحد شوارع وسط القاهرة، بالقرب من النيل، كان يسير «هيكل» على قدميه بصحبة صديقه الإنجليزى «أندرو نايت»، رئيس مجموعة «تايمز» البريطانية سابقاً، أحد أشهر صانعى الصحافة فى العالم. لفت انتباه الصحفى الإنجليزى تلك الشهرة التى يتمتع بها «هيكل»، ليس على مستوى النخبة والمثقفين فحسب، لكن على مستوى المارة فى الشارع من أجيال مختلفة ومواطنين أكثرهم قد لا يهتم بالشأن العام. قال «أندرو» لصديقه: لو لم تكن صحفياً، لأصبحت سياسياً يتمتع بشعبية واسعة ومصداقية عالية.
لا أتفق مع الصحفى الإنجليزى الكبير فى افتراضيته المازحة.
فى رأيى: لو لم يكن «هيكل» صحفياً، لأصبح أديباً.
يقول «هيكل» هو عن نفسه: «أنا نصف ما أكتبه أدب»!
بمقاييس اللغة، فإن «هيكل» قد أصاب. يكفيك أن تلقى نظرة سريعة على عناوين مقالاته وكتبه، دون الحاجة إلى الدخول فى متون ما كتب، لتكتشف ذلك الأديب المختبئ داخل رجل الصحافة والسياسة.
لكن الأمر لا يتوقف عند حس المفردات وصور الاستعارات وكل المعانى البلاغية التى تنضح بها كتابات «هيكل». هناك ما هو أهم فى رأيى.. هناك الخيال.
الخيال أهم من اللغة، والخيال أهم من المعرفة، وهو أداة لا يحتاجها الأديب فحسب، بل يحتاجها الصحفى أيضاً، والسياسى، والفنان، والفيلسوف، ومخترع الذرة، وعالم الفضاء.
بدون خيال لا يمكن استنطاق أى شىء، ولا اختراع أى شىء، ولا التنبؤ بأى شىء. بدون خيال يتحول العالم إلى كرة أسمنتية كبرى.
كان يؤمن «هيكل» بالخيال إلى درجة كبيرة. يقول إن قوة الخيال لا تضاهيها أى قوة. ولا يمكن تصور وجود مبدع واحد فى أى من مجالات العلوم والفنون ليس صاحب خيال.
أحبَّ «هيكل» عدداً من المبدعين الذين رأى فيهم قوة الخيال أكثر من غيرهم. فعلى مستوى الموسيقى كانت لديه قائمته المكونة من ستة أسماء حرص على الإشارة إليهم فى وصيته المكونة من عشر صفحات، هم: «الألمانى لودفيج فان بيتهوفن، والنمساوى فولفجانج أماديوس موتسارت، والنمساوى جوزيف هايدن، والبولندى الفرنسى فريدريك شوبان، والألمانى يوهانس برامز، والأمريكى جون تاونر ويليامز»، والأخير قد أضافه إلى قائمته الموسيقية المفضلة فى سنوات عمره الأخيرة بعد أن استمع إليه مصادفة فى حفل موسيقى بإحدى عواصم أوروبا.
الموسيقى تشغل حيزاً كبيراً ومهماً فى عالم «هيكل» الآخر. فلم تكن تنقطع عن مكتبه أثناء عمله بالكتابة أو القراءة. ولم تكن تنقطع عن حجرات منزله فى بعض أوقات الراحة أو الرياضة. حتى إنه حين كان يكتب وصيته داخل مكتبة المنزل الريفى فى برقاش كان يكتبها على أنغام كونشرتو البيانو الأول لبيتهوفن.
لكن لم تكن قائمة الموسيقيين هى قائمة الإبداع الوحيدة التى أعدها «هيكل»، فهناك قائمة أخرى تنتمى إلى ثقافة أخرى، ضمت ثلاثة من كبار عالم التلاوة، هم: «الشيخ محمد رفعت، والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ عبدالباسط عبدالصمد»، من شدة حبه لهم، وإعجابه بإبداعهم، أوصى أن يُقرأ القرآن برنين خفيف لأحدهم عندما تحين ما سماها «لحظة النوم العميق».
فى عالم «هيكل» الآخر، هناك أيضاً الشعر الذى يحتل قيمة كبيرة لا تقل عن الموسيقى أو الأدب.. بل تزيد. كان «هيكل» يحفظ ما يزيد على 10 آلاف بيت شعرى، بحسب ما يقول هو. كان دائم الاستدلال بالشعر، حتى فى أشد الموضوعات عمقاً وأكثر القضايا تعقيداً. شاعره المفضل هو المتنبى، وحديثاً أحمد شوقى. فيما كانت تربطه أواصر صداقة بعدد من شعراء عهده، هم: كامل الشناوى، محمود درويش، عبدالرحمن الأبنودى، فاروق جويدة، صلاح جاهين، وسميح القاسم.
تكتمل قوائم «هيكل» فى دوائر الإبداع بـ«أم كلثوم» فى الغناء، و«نجيب الريحانى» فى التمثيل.
كان «هيكل» محباً لتلك الفنون على تنوعها. ربما سرقته الصحافة إلى دهاليزها، ربما اختطفته السياسة إلى غرفها المغلقة، لكن برغم كل ذلك ظل محتفظاً بهذا الفنان المتنوع بداخله.
وفى تقديرى، لا يمكن فهم تجربة الرجل الذى بدأ حياته مراسلاً متجولاً بين دوائر الحروب حول العالم، مروراً بكل الأحداث الكبرى التى شهدها، ومفترقات الطرق التى مر بها، دون الإلمام بهذا الوجه الآخر منه الذى رفض أن يكون مجرد «جهاز كمبيوتر هائل»!