غباء «نتنياهو».. وغباء شعبه

أميرة خواسك

أميرة خواسك

كاتب صحفي

أيام قليلة ويكتمل عام كامل على النكبة الجديدة التى أصابت الفلسطينيين وكل العالم العربى فى السابع من أكتوبر، يقترب العام على الاكتمال وقد فتحت إسرائيل جبهة حرب جديدة فى لبنان بعملية دنيئة كبقية عملياتها التى ابتلينا بها منذ بدايات القرن العشرين، ومنذ تم زرعها فى الجسد العربى، وبعد أن فشلت فى جر إيران إلى حرب حتى تبرر استمرارها فى العدوان والاعتداء على الفلسطينيين الأبرياء.

اقترب الشتاء ولا يزال الفلسطينيون على حالهم من سيئ إلى أسوأ، وتحولت أعداد الشهداء والمصابين إلى مجرد أرقام، تحمل وراءها نكبات ومصائب لعائلات كاملة تم محوها من الوجود، ومئات الآلاف قد تشردوا وأصبحوا بلا مأوى، وأصبحت غزة أطلالاً وأكواماً من الرماد تحتاج سنوات حتى تعود إليها الحياة من جديد، ولا يعرف أحد كيف ومتى يمكن أن ينتهى هذا الوضع الذى لا مثيل له فى كل النكبات التى مرت فى التاريخ.

كما ذكرت هنا من قبل، «نتنياهو» لن يتوقف عن إجرامه وتماديه فى طريق يعتقد أنه سيصل به إلى أن يكون البطل القومى لإسرائيل، وسيظل يفتح جبهات ويشن حروباً طالما بقى على رأس السلطة فى إسرائيل، لهذا هو يحاول استدراج إيران وفتح جبهة فى الضفة الغربية، وها هو يقتل ويصيب نحو ثلاثة آلاف من أتباع حزب الله فى لبنان، وقد اختار لبنان لأنه يدرك ما تعانيه من مشاكل اقتصادية وسياسية، ويعلم أنه سيصل إلى مزيد من التصعيد الذى يصرف النظر عن قضيته الأساسية التى فشل فيها حتى الآن، وهى استعادة الأسرى الإسرائيليين الذين لا يزالون فى قبضة جماعة حماس.

لقد مر على إسرائيل كثير من رؤساء الوزراء، لكن هذا الأرعن هو أكثرهم غباءً، فالجميع يعلم أن أموال الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ليست وحدها التى تستطيع أن تمكن الإسرائيليين من العيش فى سلام، وأنه مهما طال الزمن أو قصر فلابد أن يصل الفلسطينيون إلى حل عادل، وإلا ستظل إسرائيل فى هذه الحالة البائسة من الخوف والرعب الذى يحيط بها من كل جانب، وهذا ما أدركه من سبقوه فى منصبه هذا.

فعندما دخل مناحم بيجن فى مفاوضات مع الرئيس الراحل محمد أنور السادات، لم يكن أقل ذكاء من نتنياهو بل هو أكثر دهاء، ومثله شيمون بيريز وإسحاق رابين وإيهود باراك، وحتى مجرم الحرب أرييل شارون، ولم تكن جولدا مائير أو موشى ديان أو عايزرا وايزمان أقل وطنية من هذا المخبول، كل هؤلاء جميعاً كانوا يعلمون أن حل القضية الفلسطينية حتى وإن طالت فهى لمصلحة إسرائيل فى المقام الأول، لأنها ببساطة ستمكن الشعب الإسرائيلى من العيش فى مجتمع أكثر أمناً وسلاماً.

لكن كل تلك الجبهات التى فتحها نتنياهو على نفسه وعلى شعبه كيف سيتمكن من سدها؟ ومن الذى يمكن أن يتحدث اليوم عن السلام بعد أن ذبحه وقضى على كل الجهود التى بُذلت منذ عام ١٩٧٧، حتى السابع من أكتوبر الماضى؟! «نتنياهو» لديه أسبابه الشخصية التى هيأت له أنّ استمرار الحرب وفتح الجبهات سيُنجيه مما ينتظره من محاكمات وقضايا فساد، أو أنه سيدخله التاريخ كمن حقق الحلم الإسرائيلى من النيل إلى الفرات.

وكلها أوهام تتهاوى أمام فشله حتى الآن فى استعادة أسراه، وهذا ما سيدركه الإسرائيليون فى النهاية، حين يكتشفون أنهم ساعدوه على العودة بهم إلى ما قبل نقطة الصفر وأنهم أصبحوا محاصرين بالخطر وبالكراهية وما هى إلا فرصة واحدة للعرب حتى يعود الإسرائيليون إلى أصولهم لاجئين مشتتين فى بقاع الأرض، وسيدركون حينها أنهم قد شاركوا حاكمهم الغباء وأضاعوا آخر فرصهم ليعيشوا فى سلام، فما حدث فى غزة لن يمحوه أى سلام ولن تنساه أجيال كاملة قادمة.