فى "مجارى الموت".."أشرف" يتحرك على أطراف أصابعه خوفا من "صعق كهربائي"

فى "مجارى الموت".."أشرف" يتحرك على أطراف أصابعه خوفا من "صعق كهربائي"
أقدامهم لا تعرف لليابس سبيلاً، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وعناء من المعيشة فوق بركة من المياه العفنة، بيوتهم ومتاعهم عائمة مثلهم طول العام، يزيد منسوبها فى الصيف جراء مياه مصارف دباغة الجلود التى تتخلل مصانعها بيوتهم، وأمطار وسيول تكاد تكسوها عند قدوم الشتاء.
شارع طويل وممتد رغم ضيقه ليصل بين نهاية سور مجرى العيون من طرف، وجبانات السيدة عائشة من ناحية أخرى، ينفصل سكان شارع المياه عن العالم من حولهم، فلا يملكون قرار الخروج من عاصمتهم الغارقة، دون ارتداء حذاء بلاستيكى أشبه بذلك الذى يستخدمه الجزار فى عمله، للتكيف مع المياه القذرة التى تعلو أقدامهم بمقدار الأمتار، حياة فرضت عليهم العزلة عن الأرض، يعى سكانها وحدهم أنهم وسط مياه مجارى لا تجف حتى فى أكثر أيام الصيف حرارة، وأشدها قسوة.
فى عاصمة الغارقين، يفرق كل بيت عن جاره سلك كهرباء عائم بدوره وسط المياه التى تصرفها شبكة الصرف الصحى الهالكة، بينما اقتطع الأهالى لأنفسهم بضعة سنتيمترات من الرصيف للسير عليها، خشية التزحلق أو الغرق فى شلال الوحل المتدفق أسفل المنازل المعلقة، حيل أخرى اتخذها الجيل الجديد من الشباب والأطفال الذين تفتحت عيونهم على حياه وسط بركة من المجارى، وأُجبروا على تحملها قهراً، حيلتهم فيها قطع خشبية ممددة بين المنازل للوصول إلى أقرب رصيف ضيق يمكن أن يهتدوا به إلى خارج منطقتهم.
جرت العادة أن يتحرك «أشرف ياسين» على أطراف أصابعه، أملاً فى النجاة من الصعق بالكهرباء، فالأعمدة مكشوفة فى كل مكان تخلو منه مياه الصرف، فضلاً عن أسلاك تسقط منها تنذر الحيوانات الضالة قبل البشر بموت محقق لا فرار منه، «الشتا اللى فات مات كلبين و3 أحصنة وحمارين من اللى بينقلوا الجلود خارج الشارع لمنطقة المدابغ»، يقول متأثراً ويحصى عدد الأهالى الذى تضرروا بطبيعة الحال من الصواعق التى لا ترحم، «5 أطفال وشاب فى العشرين ماتوا بسبب الأسلاك المكشوفة، ماتوا ومعرفناش نلحقهم»، ذكريات مؤلمة عالقة فى ذهنه تنذر الشاب بمصير مماثل هو وأهله وجيرانه وأقاربه ممن يسكنون بعاصمة الغرق فى الوحل، «المشكلة إننا معندناش أى مستشفى أو وحدة صحية أو مركز طبى يعالج أو يسعف أى حالة طارئة واللى هيحاول يجرى عشان يلحق أو ينقذ أى حد هيحصله» بحسب «أشرف».
قطعة خشبية لا تفارق يده وحذاء بلاستيك وأذكار يتمتم بها طيلة سيره بالشارع حتى الوصول إلى نهايته، أمتار الموت لا تستوجب المجازفة بالحياة، بحسب «أشرف»، «عرفت من التليفزيون إن الخشب بيمنع من صعق الكهرباء عشان كده مابستغناش عنه فى إيدى دايماً»، وسيلة من وجهة نظره تعينه على العيش بشارع المياه حتى إشعار آخر.
مياه تغرق بيوتهم طوال العام، تنذر أى سيارة إسعاف أو مطافى من الدخول إليه، فعلى تلك السيارات الوقوف خلف سور مجرى العيون، ويسهم الجيران بدورهم، كل حسب استطاعته، فى حمل الحالة التى يستدعى إسعافها حتى الوصول لسيارة الإسعاف المرابطة على أطراف الطريق الغارق على بعد 20 متراً، حسب «دينا سمير» الفتاة العشرينية التى فقدت شقيقتها بسبب تعذر وصول عربة الإسعاف إلى المنزل، بعد إصابتها بنوبة قلبية مفاجئة، «عربية الإسعاف وصلت بصعوبة بعد ساعة، كانت أختى الله يرحمها فعلاً بتموت انتظرنا لما تيجى، ولما وصلت رفضت الدخول بسبب المنطقة الغرقانة، لأن العربية هتغطس فى الميه، وبمجرد ما وصلت الإسعاف كانت أختى أسلمت روحها للبارئ».
حوادث كثيرة تكررت على هذه الشاكلة، يصعب معها نجدة أهالى شارع المياه أو سماع استغاثاتهم كأنهم يقطنون جزيرة معزولة عن كل أشكال الحياة، «كام بيت اتحرق، وكام أسرة مرضت وكام طفل اتكهرب، ولسه الحكومة مش حاسة بينا!!»، تقول «دينا» التى قضت 28 عاماً فى شارع خانق، «لا بيدخلنا هوا ولا ميه، ولا نور أحياناً، والاسم عايشين على وجه الأرض، واحنا عايمين على وش الميه».