مهرجان العلمين والصناعات الإبداعية
إن استمرار مهرجان العلمين الثقافي الفني طوال مدة فصل الصيف أمر يثير الانتباه لمدى قدرة أي مهرجان على الاستمرار، ويطرح التساؤلات حول العوامل التي تتيح للمهرجان القدرة على الاستمرار طوال فترة الصيف.
إن مهرجان العلمين ورغم قصر مدة وجوده صار نوعاً من الصناعات الإبداعية، وهذه الصناعات صارت عنصراً مهماً فى تكوين ودفع الاقتصادات، وهو ما تسعى مصر لمواكبته، وهو فى الوقت نفسه ما تسهم به الشركة «المتحدة» لتحقيق طفرة فى عالم الاقتصاد، كما حدث ويحدث فى الدول المتقدمة، حيث تصل عائدات الصناعات الإبداعية وما يُسمى بالاقتصاد المعرفى إلى بلايين الدولارات لبعض الدول، بل إن بعضها حققت له الصناعات الإبداعية ما يفوق ما حققته صناعات كبيرة، مثل السيارات والصناعات الكيماوية والطائرات وقطاع الزراعة. فى بريطانيا على سبيل المثال حقّقت الصناعات الإبداعية ما يعادل 5% من الناتج المحلى الإجمالى.
ليست النسب المئوية أو الأرقام المالية هى التى تسعى إليها مصر وشركة «المتحدة»، وإنما نحتاج إلى أن نكون نشطين ومهرة ومثابرين فى هذا المجال الذى يمكن أن يُحقق لنا الكثير من المزايا الاقتصادية والثقافية كقوة ناعمة.
نحتاج إلى أن نكون مبدعين وأن نطور إبداعنا لترقى قدراتنا وتستطيع المنافسة مع ثقافات وإبداعات أخرى متقدمة.
إنَّ الإبداع هو الذى سيقود التغيير الاجتماعى والاقتصادى خلال هذا القرن.
وفى مجال الإنتاج الإبداعى فإن من ینهج روح المبادرة والریادة یُسهم بشكل أو بآخر فى التنمیة الاقتصادیة، باعتبار أن الإنتاج الإبداعى عملیة دینامیكیة لتأمین تراكم الثروة والمساهمة فى فتح أسواق جدیدة فى عالم الاقتصاد الأزرق وتأسیس أحد قطاعات الأعمال المهمة، حیث تتضمن استثمار الفرص المتاحة فى السوق.
إنَّ أثر الصناعات الإبداعية لا يقف عند حد اجتذاب جمهور من المستهلكين أو من المتفرجين دافعى ثمن التذاكر، إنما هى تضم الكثير من المشروعات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب جذب بعض أكبر الماركات العالمية فى مجالات مختلفة تحرص على تسويق منتجاتها فى خضم هذا الحدث الكبير.
وفى سياق كهذا، لا تقتصر قيمة الصناعات الإبداعية على النشاط الاقتصادى وإنما تمتد كذلك إلى أرقى أشكال التنمية، فمثل هذا النوع من الصناعات تدخل فيه مجالات متنوعة من الاقتصادات تؤدى إلى التنمية المستدامة لخلق بيئة مواتية لتمكين الفئات الضعيفة والمحرومة، خاصة النساء والشباب والمعوقين والفقراء، من التنمية.
إن الصناعات الإبداعية تعتبر من الصناعات سریعة النمو الاقتصادى، لأنها تتمیز بالقدرة على إحداث تحولات اقتصادیة سريعة وكبیرة وتولید الدخل.
كما أن الاقتصاد الإبداعى كمجال لا یخلق فقط قیمة اقتصادیة مضافة، أو یخلق فرص عمل، بل أیضاً یعمل على تعزیز التنمیة الثقافیة والمجتمعیة، كما یعمل على التنشیط السیاحى، ودعم المكانة الثقافیة للدولة بأكملها، وزیادة القیمة المضافة فى الاقتصاد المحلى، وتوجیه طاقات الشباب نحو امتلاك المشروعات الإبداعیة الخاصة، والمبادرات القائمة على المعرفة والابتكار فى المجال الثقافى والفنى لتحسین مستوى حیاتهم، وتحویل أفكارهم الإبداعیة ونتاج أعمالهم الفنیة إلى مصادر متنوعة للدخل، نظراً لاعتمادها على الأفكار والمعارف والمهارات والقدرة على الاستفادة من الفنون المختلفة.
تسهم الصناعات الإبداعية فى بريطانيا بنحو 90 مليار جنيه إسترلينى تقريباً من الناتج المحلى الإجمالى.
وتشكل واحدة من بين 11 وظيفة، وهذا معدل يرتفع بسرعة أكبر من قطاعات أخرى من الاقتصاد.
وهذه الوظائف هى أيضاً من بين الأقل احتمالاً أن تتم خسارتها، فكثير من الشركات والمؤسسات فى بريطانيا، تمثل نماذج من الإبداع وريادة الأعمال، وكذلك فالعلاقة بين الثقافة والتكنولوجيا والعلوم قوية ومتنامية جداً فى بريطانيا.
إن الابتكار عنصر رئيسى للنمو الاقتصادى، وأصبحت الحكومات بحاجة فعلية إلى تسهيل وتشجيع نشر المعرفة للحفاظ على النجاح فى الابتكار، وهو ما يعود بالنفع بصورة أكبر على الاقتصاد، لأنها ستؤدى إلى زيادة الاستثمار فى الصناعات وتسمح بمزيد من الاستثمارات فى مجال الصناعات الإبداعية.
وإضافة إلى النسب المئوية والنمو المرتفع المتولد من الصناعات الإبداعية، تعود أهمية تلك الصناعات إلى دورها المتوقّع فى إحداث موجة صاعدة للمعرفة الاقتصادية، وكونها قائدة للصناعات والخدمات الأخرى وكذلك عبر احتضان رأس المال الإبداعى والعاملين الإبداعيين عموماً.
إن العالم يهتم كثيراً بمفهوم «الاقتصاد الإبداعى»، باعتباره مجالاً مهماً جدیداً ومتنامیاً فى مجال تولید القیمة، وخلق فرص العمل، وتزاید الثروة، بوصفه محرّكاً تنمویاً للاقتصاد، وباعتباره مُعزّزاً للتنوع الثقافى من خلال تحویل الأفكار الثقافیة الإبداعیة إلى مشروعات اقتصادية.
يقول سيسموندى إن الاقتصاد علم ینبغى أن یعرف بغایاته ولیس من بین هذه الغایات ما یستحق الاهتمام سوى الرفاهية الاجتماعية.