طائرة الرئيس الإيراني وعلامات استفهام

أميرة خواسك

أميرة خواسك

كاتب صحفي

فى جلسة جمعت عدداً من الأصدقاء وكان من بينهم طيار مخضرم دار الحديث حول حادث الطائرة الإيرانية التى سقطت منذ أيام قليلة وراح ضحيتها الرئيس الإيرانى إبراهيم رئيسى، ومرافقوه وزير الخارجية حسين عبداللهيان، وسبعة آخرون، وكانت الأسئلة حول كيفية سقوط الطائرة، وهل تعرّضت لعمل إرهابى أو بسبب سوء الأحوال الجوية وسقوط الضباب، كما أعلنت السلطات الإيرانية، وكان رد الطيار أن الضباب لا يمكن أن يتسبّب فى سقوط طائرة!

لكن البعض استطرد ربما بسبب قِدمها، وهو ما اعترض عليه أيضاً قائلاً لا يمكن لطائرة أن يُسمح لها بالطيران دون التأكد من صلاحيتها بالكامل، خاصة إذا كان من يستقلها هو رئيس الدولة، وقد رجّح فى النهاية أن تكون تلك الطائرة قد تعرّضت لتخريب متعمّد!

إذن ستظل علامات الاستفهام كثيرة تحيط بحادث سقوط الطائرة الإيرانية، وسيظل الغموض قائماً حتى يتضح لماذا وصلت الطائرتان المصاحبتان لتلك الطائرة بسلام إلى وجهتيهما وسقطت الطائرة الثالثة؟ ثم لماذا تعطل نظام الإشارة الخاص بالطائرة، أو لماذا لم يُفعّل حسب تصريحات وزير النقل التركى عبدالقادر أورال، وهذا النظام يقوم بتحديد الموقع المثبت داخل الطائرة، والمصمم لإرسال إشارات مستمرة لمدة تصل إلى شهر؟ لكن الأهم من كل هذا هو أن تلك الحادثة أوضحت الكثير من الأمور داخل الدولة الإيرانية، التى يكتنفها هى الأخرى الغموض تماماً، مثل حادث سقوط الطائرة!

فمنذ أسابيع قليلة حبس العالم أنفاسه رعباً من قيام حرب فى المنطقة، بعد أن قامت إسرائيل بضرب مبنى ملحق بالقنصلية الإيرانية فى دمشق، وراح ضحيته عدد من الإيرانيين، ثم قامت إيران بالرد بإرسال عدد كبير من الطائرات المسيّرة، وصواريخ كروز وصواريخ أرض أرض، قامت بهذا بعد أن أعلنت عن ردّها مسبقاً، وهو ما أثار سخرية الكثيرين.

لكن الحالة الإيرانية التى كشفها هذا الحادث أيضاً لها دلالات كثيرة، لعل أهمّها أن الدولة الإيرانية تعانى معاناة هائلة بسبب العقوبات التى تخضع لها منذ أكثر من أربعة عقود، وأنها ابتعدت كثيراً عن ركب الحضارة، ليس فقط لكونها دولة دينية، ولكن لأنها لا تملك بالفعل أى إمكانات تمكنها من دخول صراعات أو حروب نووية أو حتى تشكل أى خطورة على الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل، وهو ما يعنى ببساطة أنها لم تكن سوى نمر من ورق استخدمته الولايات المتحدة لاستنزاف ثروات العراق حيناً، ثم ابتزاز دول الخليج حيناً آخر.

لكن على جانب آخر إيجابى، كان الموقف العربى تجاه هذا الحادث موقفاً كريماً، حيث بادرت الدول العربية واحدة تلو الأخرى بإبداء أسفها واستعدادها لتقديم المساعدة، وكانت أولاها مصر، التى اعتبرها منذ عقود حكم آية الله الخمينى شيطاناً، وأطلق اسم قاتل الرئيس السادات على أحد شوارعها، واعتبره بطلاً، لأنه قتل الفرعون، على حد زعمهم، كل هذا لأن السادات بطيب أخلاقه استقبل شاه إيران بعد أن رفضت استقباله كل الدول حتى حليفته أمريكا.

ثم توالت دول الخليج، الإمارات التى لا تزال جزرها الثلاث محتلة من إيران، والمملكة العربية السعودية التى لاقت من التدخّلات الإيرانية الكثير، ومثلها الكويت والبحرين، وغيرها، الجميع اصطف آسفاً أمام هذه الكارثة الإنسانية، التى رغم قسوتها فإنها ربما تكون السبب فى فتح صفحة جديدة فى العلاقات العربية الإيرانية.

وهو ما سيُشكل أزمة كبيرة للولايات المتحدة الأمريكية التى لن تجد سبباً مقنعاً لحماية دول الخليج واستنزاف ثرواتها وابتزازها، كما صرح من قبل الرئيس السابق دونالد ترامب، الذى من المتوقع أن يعود قريباً، وحين ذلك من يدرى إن كان سيسمح بفتح الصفحة الجديدة أو سيزيد إشعال النيران.