تربية النشء هى الأساس

- تُخصص الأمم المتحدة يوماً من كل عام تحتفى فيه بالطفولة هو «اليوم العالمى للطفولة»، ويصادف هذا اليوم إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان اتفاقية حقوق الطفل عام 1989، ويتفقد العالم فى هذا اليوم أحوال هذه الثروة الربانية لمعرفة احتياجاتها المستقبلية ويهىء لها ما تحتاجه فكرياً واجتماعياً وسلوكياً وصحياً، ويناقش فيه الأخطار المحدقة بهذا المكون الرئيسى لمستقبل البشرية على هذه الأرض. - ولا شك أن الاهتمام بالطفل ومرحلة الطفولة قديم قدم الحضارة البشرية، فمنذ عصر الحضارة المصرية القديمة حرص المصريون على الاهتمام بتنشئة الطفل تنشئة سوية، وحرص حكماء مصر القديمة على تلقين الأبناء كل ما يفيدهم فى حياتهم الاجتماعية والعلمية وسار على نفس الدرب كل حكماء الحضارات القديمة، وقد حدثت نقلة نوعية فى الاهتمام بهذا الأمر على يد فلاسفة اليونان؛ حيث قدم بعضهم نظريات تربوية تعليمية متكاملة لا نزال نستفيد منها حتى اليوم، فقد قدم أفلاطون أجمل سفر فى التربية خرج من يد بشر فى محاورة «الجمهورية»؛ حيث حرص على أن يقدم نظرية متكاملة فى التربية والتعليم عبر أربع مراحل تبدأ منذ حداثة الطفل إلى سن الخمسين، واهتمت نظريته بالعقل والجسد، مستهدفاً تخريج جيل جديد من الشباب اليونانى يصلح لقيادة بلاد اليونان بعد أن لاحظ الفساد المستشرى بين قادتهم وحكامهم، وكم كان أفلاطون حكيماً حين ركز على مرحلة الطفولة وأكد أن التربية والتعليم فى هذه السن المبكرة ينبغى فيها مراعاة حرية الأبناء والحرص على عدم القسوة معهم قائلاً: (إن تعليم الحر ينبغى ألا يتضمن شيئاً من العبودية، فالتدريبات البدنية التى تؤدَّى قهراً لا تؤذى البدن فى شىء، أما العلوم التى تقتحم فى النفس قسراً فهى لا تظل عالقة فى الذهن)، لقد وعى أفلاطون من هذا التاريخ البعيد أن الطفل كائن حر وينبغى ألا نقهر حريته وطفولته بتحميله ما يفوق طاقته على المعرفة والاستيعاب، لقد نصح أفلاطون المعلمين أن يجعلوا التعليم يبدو لهواً بالنسبة للأطفال حتى يتمكنوا من اكتشاف ميولهم الطبيعية ويركزوا على تنميتها، ولقد ذهب إلى نفس هذه المعانى أرسطو فيما كتبه فى كتابه الشهير «السياسة» عن التربية، حيث أكد على ضرورة أن يجنب أبصار أطفالنا وأسماعهم كل مشهد وكل قول لا يليق بالرجل الحر، لقد اعتنى الفيلسوفان عناية فائقة بمعالجة كل ما ينبغى أن يقدم لهم من أغذية لبناء الجسم، ومن تعاليم تستهدف الارتقاء بالنفس وتهذيبها، ومحبة الجمال، وبناء العقل بطريقة سليمة، والعمل على اكتشاف مواهبهم الخاصة وإطلاق ملكات الإبداع لديهم، واعتبار ذلك أساساً لبناء المجتمع المثالى، ومنهج أفلاطون قائم على مرحلتين: ■ التربية عن طريق الفن: وهو ذو شقين؛ منهج الموسيقى، ومنهج التربية الرياضية. ■ التربية عن طريق العلوم: وينقسم إلى منهج الرياضيات والعلوم الطبيعية، ومنهج المنطق والفلسفة. - «الفضيلة علم والرذيلة جهل» قضية آمن بها أفلاطون وأسس منهجه فى التربية عليها، وقمة الفضائل عنده هى التوجه إلى عالم المثل ثم العودة إلى كهف الحياة للممارسة والتطبيق. - وكذلك اهتمت الفلسفة الحديثة بالطفولة «إميل أو فى التربية» كتاب وضعه جان جاك روسو وبث فيه منهجه التربوى على هيئة قصة طفل، وتبدأ القصة بنشأة الطفل إميل وتنتهى بزواجه وهو فى سن 25 سنة، وهو يرى أن يربى النشء على طبيعته دون إجباره على حفظ العلوم والثقافات بذلك يتعلم النشء من طبيعة ميوله وبالتجربة الشخصية، وأهم ما يصبو إليه روسو هو أن ينشأ فى الطفل الشعور الاجتماعى مع الحفاظ على استقلاليته، ويجب أن يكون هذا مقترناً بتوجيه خفى من المربى بحيث تتفق ميول النشء مع ما يريده المعلم، حيث يقول روسو: اتبعوا مع النشء الطريقة العكسية وهى أن يشعر النشء بأنه هو صاحب الاختيار فلا توجد استجابة وتكريس إلا بالشعور بأن المرء حر فيما يتعلمه وهذا عنده هو التكريس الحقيقى، ويرى روسو أن النشء الذى ينشأ على تلك الطريقة الحرة هو الأصلح لمجتمعه، وقد انتشرت نظريته فى تربية النشء سريعاً فى مختلف الدول الأوروبية وهى تعتبر حتى يومنا هذا الطريقة الأساسية لطرق التعليم الحديثة، وقد استهل روسو كتابه بكلمته المشهورة: (يخرج كل شىء حسناً من بين يدى مبدع الكائنات، ثم يعتريه الفساد والنقص بين يدى الإنسان). إن أهم ما تحتاجه بلادنا وهى تبنى مستقبلها هو: وجود رؤية واضحة لتربية النشء اللبنة الأساس لبناء المجتمع وصناعة مستقبله، والعناية بهم تعنى أننا أدركنا حقاً من أين نبدأ.